الوسط الصحفي يفجع بوفاة الراحل المقيم حسن البطري .. اهتم الراحل المقيم بشباب الصحفيين وتميز بأسلوب السهل الممتنع

الصحافة تتلقى التعازي من زملاء الفقيد ومن عشاق أسلوبه الصحفي

28-07-2016-07-3الخرطوم : بله علي عمر
فجع الوسط الصحفي والاعلامي فجر امس بوفاة الاستاذ الزميل حسن محمد محمد علي التوم المعروف اعلاميا بحسن البطري نائب رئيس التحرير والذي كان قد لزم السرير الابيض منذ فبراير الماضي لينتقل مستشفيا للقاهرة في يونيو وظل طريح العناية المكثفة بمستشفي الحياة بالقاهرة حتي وافته المنية فجر امس .
يعتبر الاستاذ حسن البطري احد رموز الصحيفة التي قدم اليها من صحيفة (الرائد) في العام 2004 م ، رئيسا لقسم المنوعات ثم تولي اعباء مدير التحرير منذ العام 2006 م ، ونائبا لرئيس التحرير ثم تولي رئاسة التحرير بالانابة كما شغل منصب المدير العام بالانابة .
يعتبر الفقيد الراحل من العلامات البارزة في الصحافة السودانية اذ عمل في كافة ضروب العمل الصحفي اذ بدأ مخبرا صحفيا كما برز كمحقق صحفي اضافة الي انه محاور متميز وكان يجيد انتقاء الشخصيات التي يود محاورتها ويسعي لدراستها قبل الحوار وما ميز حوارته عبر تاريخه المهني الذي تجاوز الخمسة وثلاثين عاما التفرد، كما عمل بالملفات الثقافية ساعده علي ذلك ثقافته العالية ليس علي مستوي الثقافة السودانية وانما علي مستوي المحيط العربي ويستدل بذلك من الكم الهائل من المثقفين العرب الذين كثيرا ما يقف عند منتوجهم في كتاباته تقريظا وتأبينا كما يجيد الراحل المقيم التطوف في حدائق الشعر العربي بأنواعه العمودي والحديث والكلاسيكي .
اهتمام بالغ بشباب الصحفيين
يعتبر الراحل حسن البطري من اكثرة قادة العمل الصحفي اهتماما بتواصل الاجيال الصحفية وكانت له علاقاته المتميزة بشباب الصحفيين الذين يجلس اليهم يناقشهم في هموم المهنة وكيفية تطورها وضرورة التواصل ويحمد له سعيه الجاد نحو بناء القدرات عبر التدريب وكثيرا ما تراه جالسا علي طاولة اجتماع التحرير مناقشا الشباب ومبديا ملاحظاته ، و ما انجزوه من اعمال صحفية، كما كان مؤمنا بضرورة ان تظل صالة التحرير محرابا للعمل والانتاج وحسب، وخلال حقبة توليه رئاسة التحرير بالانابة عمل علي ابتعاث البعض لتلقي دورات تدريبية بالقاهرة لتساعدهم في بناء قدراتهم المهنية
عطاء من لا يخشى الفقر
كما يقول اهل السودان فقد عرف حسن البطري بأنه (اخو اخوان ) تجده عند ملمات الايام مع الناس في افراحم واتراحهم مشاركا بجهده وفكره وماله، وقد اسهمت خلفيته الريفيه سواء ايام صباه الباكر في بلدته مقاشي او ايام الطلب التالية في (اتبرا) كما يحلو له تسميتها وقد اسهمت تلك الخلفية ذات البعد الاجتماعي المنفتح علي الاخر في تشكيل شخصية الفقيد .. وكثيرا ما يجد المارون بشارع علي دينار كثيرا من ذوات الحاجة بانتظار حسن البطري الذي كان يفعل ذلك بعيدا عن عيون الناس كما كان في مقدمة (الكشف) يعطي عطاء من لا يخشي الفقر
ارتباط وجداني بمقاشي
ارتبط الراحل المقيم ببلدته مقاشي التي يري ان سحرها دونه المدن والبلدات الراقدة عند قدمي الالب والتي عرفت بسحرها وجمالها الاخاذ والمتابع لمسيرة الفقيد يجد ان مقاشي اخذت بلب فتاها باكرا حتي وهو يجوب كبريات المدائن وحسناواتها من الاستانة الحسناء التركية الي المربد وتونس الخضراء مرورا بقاهرة المعز التي مكث بها سنين عددا بين قاعات الدرس ومنابرها السياسية ومخلفات الكتاب القديمة في سور الازبكية ومكتبة مدبولي بميدان طلعت حرب.
في عيد الشجرة الذي اقيم اخيرا بمقاشي يري البطري ان انحيازه لقريته سببه عطاؤها اللامحدود فهي تعطي وتغدق في العطاء قمحا وتمورا وتمني . يقول البطري عن مقاشي (.. اعطت من الرجال للسودان وزير الزراعة في العهد المايوي دكتور عثمان حاكم وخيطاً منظوماً من الخبراء والباحثين في مجال الزراعة، منهم بروفيسور أنس عبد الحفيظ وأستاذ الشيخ القاضي ودكتور علي سيد أحمد والأخوان حسن وصلاح علي محمد الشيخ و عمر على عطا المنان و… و… و… (والقائمة تطول)… عملوا على امتداد مشاريع السودان في الجزيرة والمناقل وسنار وحلفا الجديدة ومشاريع الزراعة الآلية في القاش وطوكر والدالي والمزموم والحديبية ومليط وجبل مرة وقدموا عصارة جهدهم وخبرتهم لمزراعي ورعاة السودان، بمحبة واخلاص، ودونما كلل أو ملل.
كما ظل نور الدين سيد أحمد، من خلال برنامجه التلفزيوني (الحقل والعلم)، يقدم المعلومة والارشاد والتوجيه لمزارعي السودان، مسجلاً سبقاً إعلامياً وخدمة ممتازة على مستوى إعلام التنمية في المجالين العربي والأفريقي) وعندما يكتب البطري عن الخضرة والجمال والدرب التحت من مقاشي للعقد الفريد من البلدات تراه يجسد الطبيعة الخلابة والترابله وبهيمة انعامهم والجميع في رحلة ابدية ذهابا وايابا بين المزارع وبيوت سكناهم
البطري خير أنيس
الجلوس مع البطري في لحظات انس له طعمه فهو يجيد السياحة والسباحة معا شعرا ونثرا فذاكرته العميقه لا زالت تحتفظ بقصيدة معروف الرصافي انظر الي تلك الشجرة ذات الغصون النضرة كما يحفظ عن ظهر قلب قصائد الطلب الباكر من هيهات لا جن ولا سحرة بقادرين علي ان يلحقوا اثره رغم مرور قرابة الخمسين حولا عليها كما انه تكنوقراطي من الدرجة الاولي طالع مجلة السفير منذ بروزها قارئا متميزا لمحمود درويش وفدوي طوقان وعبدالعزيز المناصرة وعاشق لادونيس واحمد مطر، كما انه منفتح جدا ويتعاطي الحوارات مع دعاة النقاب والسفور ويتعاطي كتابات خالد محمد خالد وفرج فودة كان البطري تسكره قصائد حاج الماحي كما كان معجبا بالتربالي محجوب شريف.
تعلقت بكتابات بطري منذ منتصف تسعينات القرن الماضي في جريدة الرأي الاخر .. كان عموده (اما حكاية ) التي تأخذ بالمتلقي من واقع الماديات وقهرها الي فضاءات ساحرة واخاذة ولا يجد المرء غير الاستسلام لكتاباته
لا اجد في خاتمة حديثي غير ترديد بعض ابيات خطها الكاتب أبوعبدالله المقدسي وهو يرثي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية رحمه الله اذ كتب يقول :
خفقان قلب الشعر أم خفقاني أم إنه لهب من الأحزان؟
ماذا يقول محدثي ؟ أحقيقة ما قال أم ضرب من الهذيان؟
مالي أرى ألفاظه كحجارة ترمي بها الأفواه للآذان
ياليتني استوقفت رنة هاتفي قبل استماع نداء من ناداني
أو إنني أغلقت كل خطوطه متخلصا من صوته الرنان
قل لي بربك أي شيء ربما أنقذتني من هذه الأشجان
قل لي بربك أي شيء،قال لي عجبا لأمرك يا فتى الفتيان
أنسيت أن الموت حق واقع ونهاية كتبت على الإنسان؟
أنسيت أن الله يبقى وحده وجميع من خلق المهيمن فان؟
أنسيت؟لا والله لكني إلى باب الرجاء هربت من أحزاني
ماذا تقول قصائد الشعر التي صارت بلا ثغر ولا أوزان؟
ماذا تقول عن التواضع شامخا وعن الشموخ يحاط بالإيمان؟
عن قصة الرجل الذي منحت له كل القلوب مشاعر اطمئنان
ما زلت أذكر صوته يسري إلى أعماقنا بمودة وحنان
يارب قد أصغت إليك قلوبنا = وتعلقت بك يا عظيم الشان
مات عليه أندى رحمة = وأجل مغفرة من الرحمن
أسكنه الله فسيح جناته . وجمعنا به في دار كرامته انه ولي ذلك والقادر عليه