أحزاب وأموال (1)

423(1)
وقعت اخيرا وانا اقلب في اوراق الماضي على وثيقة قديمة من تحرير حبيبنا الاستاذ المحبوب عبد السلام بعنوان (المقدمات)، خطها بنانه بإملاء من عقل راجح ووجدان جامح مفتون بهموم الوطن ومسكون بشجون العقيدة، يفصح فيها عن رغائبه في الاصلاح السياسي.
بيد أنني لما سدرت في برية الأشواق المحبوبية الاصلاحية فطلعت المطلع ثم بلغت المبلغ، دهمتني في خاتمة صفحات الوثيقة الخمسين العبارة التالية: (انتهت المقدمات، وتليها المراجعات، ثم تليها المناهج والموضوعات والمنظومات). فما لبثت أن حمدت الله، الذي لا يُحمد على طول وثيقةٍ، ثم الوعيدٌ بما هو أطول منها، سواه. ودعوته، جل وعلا، أن يهيئ لي ولصاحبي هذا، ولسائر المؤمنين الذين كُتب عليهم أن يقرأوا أسفار المحبوب الاصلاحية من أمرهم رشدا.
ولما كان الزمان قد تطاول والسنون قد انقضت فها أنا ذا أتساءل: هل حرر المحبوب طروس المراجعات والمناهج والموضوعات والمنظومات كما وعدنا؟ وأين هي؟ أم ان الحادثات والوقائع دهمته من حيث لم يحتسب، ومن بينها وفاة شيخه الدكتور حسن الترابي فانصرف عنها الى جديد من أمره؟
(2)
أثناء مطالعتي صفحات تلك الوثيقة، وجدت نفسي للمرة الاولى هائماً على الضفة الاخرى للنهر، بعيداً عن حبيبنا المحبوب بن عبد السلام، مخالفاً رأيه ومجافياً موقفه الذي تبناه وهو يلج بوابة الاقتصاد، ويُدلي بدلائه في شأن المال ومصادره ومساراته في شرايين أحزابنا وتنظيماتنا السياسية بوجه العموم.
والمال بغير ريب هو العصب الحساس، صاحب القول الفصل في بصائر الصعود أو مصائر الخمود لكثير من أحزابنا وتنظيماتنا. ومثلما أن تحرير قواعد التأصيل والتأويل، وتقويم مناهج التفكير والتنظير، واجبةٌ ولازمةٌ وحيوية لحياة الأحزاب وبرامجها، فكذلك الحال في شأن التمويل، ومغارفه ومصارفه، ومشروعيته ومشروطيته. وأنا في واقع الأمر لا أجد بأساً من قول المحبوب: (ضمن أفضل المراجعات والقرارات التي توجه نحوها الأمين العام – يعني الراحل الكبير الشيخ حسن الترابي – وحمل معه الحزب نحوها، موقفه الداعي الى تجاوز تأسيس أعمال اقتصادية خاصة بالحزب، شركات او مؤسسات استثمارية او تجارية). كما وجدت نفسي أنظر بتعاطف شديد الى زعمه: (إن عبرة التجربة السالفة في تاريخ الحركة الاسلامية أوضحت بجلاء أن الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي يملكها الحزب في الباطن مهما سُجلت في النظم العامة القانونية بأسماء أشخاص معروفين أو مغمورين من الأعضاء الحزبيين، ومهما تحددت لهم النسب والأنصبة في رأس المال أو الأرباح، فإن حصيلة التجارب هو فشل تلك الشركات والمؤسسات وخسارتها).
وربما كان المحبوب يعالج هنا متطلبات اعادة البناء المالي والاقتصادي لحزبه، المؤتمر الشعبي، بعد المفاصلة. والفقرة المتقدمة تؤكد على حقيقة مركزية، تُصنف ضمن ما هو معلوم من تاريخ الحركة الاسلامية بالضرورة. وهي انه، وبصرف النظر عن الربح والخسارة، فإن الحركة تجر من ورائها تاريخاً حافلاً وجسوراً في مضمار جمع وتكديس وتثمير الأموال، تحت لافتتات ومسميات مُستتترة. لا يشمل ذلك الأموال الخاصة المرتدة الى الحركة نفسها وحسب، بل إنها ربما امتدت فطالت، تحت ردائها، بعض الاموال العامة التي تغلبت عليها الحركة الاسلامية بعد انقلابها عام 1989.
(3)
وقد كان لنا قبسٌ من ضوءٍ منير في نفق هذا المبحث الشائك في الحديث الهميس الذي أدلى به القيادي الحركي الاسلامي الاقتصادي الدكتور موسى كرامة للدبلوماسيين الأمريكيين، من مسؤولي سفارة الولايات المتحدة بالخرطوم قبل نحوٍ من خمسة أعوام، ذلك الحديث الذي كشف تفصيلاته ونزع الغطاء عن طواياه الشاب المسخوط ادوارد سنودن، ونشره الاسترالي جوليان أسانج عبر تسريبات موقعه الشهير ويكيليكس. وفي ذلك الحديث ما أزاح غلالة جزء من جبل الجليد الاستثماري للحركة الاسلامية. وقد لفت انتباهي، بوجه الخصوص، ما أورده الدكتور موسى كرامة في حديثه الذي نقله عنه الدبلوماسيون الامريكيون عن بعض استخدامات قانون الشركات لعام 1925 وتوظيفه لتأسيس أعمال ومناشط تجارية وتدوير استثماراتها خارج نطاق الرقابة المحاسبية الحكومية.
(4)
لا خلاف مع المحبوب هناك، بيد أن نزاعي معه يحتدم حول فقرة اخرى أوردها في وثيقته، يقول فيها: (ولكن في التجربة السودانية ورغم عمل متصل منذ أواخر العقد السبعين في ذات مجال المال والأعمال فإن الحركة في مجملها لم تخرج ثرية كما هو الحال مع حركة جماعة النور في تركيا أو حركة الإخوان المسلمين في مصر، أو حتى مقارنة مع الأحزاب السودانية المعارضة التي استثمر بعضها علاقاته الخارجية أو استفادت من جمّة وفرها لها النظام بعد إقرار دستور 1998 ونشطت في أدوار مشابهة لما قامت به الحركة الاسلامية نفسها في فترة الهدنة التي وفرتها لها مرحلة المصالحة الوطنية بعد العام 1977).
وكأن صاحبي يريد ان يقول إن الحركة الاسلامية ليست على ذلك القدر من الثراء الذي تبدو عليه، وإن مواردها ومحصولها المالي قابل للمقارنة والمضاهاة مع رصيفاتها من الأحزاب الاخرى. بل يخيل الىّ أنه قال بأن الحركة الاسلامية وإن اهتبلت فرصاً وفرها لها تحالفها مع النظام المايوي خلال الفترة 1977 -1985 لبناء ترسانتها المالية والاقتصادية، فإن الأحزاب التقليدية المناهضة لها قد نالت فرصاً موازية فنشطت في التجارة والاستثمار وتخزين الأموال بعد إقرار دستور 1998، وذلك ادعاء يقبل الأخذ والرد. والرد عندي اكثر من الأخذ!
ولكن ذلك لا يمنعنا، ونحن في مقام المراجعة والتقويم والنقد الذاتي، من أن نفتح صفحة التمويل الداخلي والخارجي، وكشوف النشاط الاستثماري لأحزابنا الوطنية، بما في ذلك الحركة الاسلامية، فنتفحصها ونتملاها، ثم يكون من أمرها وأمرنا ما يكون.
وسنتناول في سلسلتنا هذه مصادر وممارسات تمويل عدد من الاحزاب الفاعلة في حياتنا السياسية، ابتداء من حزب الحركة الوطنية العتيد، الحزب الاتحادي الديمقراطي، مرورا بحزب الامة رائد الاستقلال، وصولا الى فسيفسيا الاحزاب اليسارية المتعددة المشارب التي شغلت الحياة العامة منذ خمسينيات القرن الماضي.