كيف نتفق و لماذا نختلف؟

422} يتفق النَّاس على الكثير من المشروعات النافعة ـ و يسهم الكل في بنائها بقدره  وسعه ، و طاقته، و قلما يكون بينهم من يعارض قيامها ، خاصة إذا طرح مخطط المشروع على الذين سيعود عليهم نفعه، و حظي الأمر  بمناقشة واسعة، و تبادل للرأي بين الذين يعنيهم الأمر.
} و عندما يتفق النَّاس، فإن هذا لا يعني ألا تكون هناك وجهات نظر متباينة، أو أن الكل قد قال قولاً تنطبق مفرداته ، و تنسجم معانيه، إلى درجة التساوي، و تناغم الجمل و تشابه الإيقاع.
} و أذكر بأننا ، و نحن جماعة من أهل الحي ، قد تشاورنا لإنشاء مسجد في فضاء أمام منازلنا (منتزهة) ، و ما كنا على اعتقاد بأن من بين أهل الحي ، من سيرفض هذا المشروع ، أو يكون لديه بصدده أي نوع من التحفظات ، و لكن حدث العكس عندما أبدى عددٌ من شباب الحي ، و بعض شيوخه إعتراضاً على المشروع ، لأسبابٍ بعضها منطقي ، و الآخر ليس كذلك ، فمنهم من إقترح تحريك المشروع إلى الفضاء الجنوبي، و منهم من رأى أن المساجد بالمنطقة تكفي ،  و من المستحسن ترك هذه المساحة الخالية ، لتكون متنفساً للأطفال ، و الشباب لممارسة رياضة كرة القدم.
} و إزاء هذه الآراء، فتح المجال للسماع ، و الأخذ و الرد من أجل الوصول إلى ما يتفق عليه، أو ما يحوز على رضى الأغلبية من السكان، و كانت النتيجة بهذه الممارسة قد أفضت إلى إنشاء المسجد على أرضية و قناعة غير قابلة للإهتزاز.
} و المشروعات التي يراد لها أن تشمخ برعاية الكافة ، و محافظة الصغير و الكبير عليها ، لا يضمن لها البقاء ، و التمتع بخاصية النفع و الإستمرار ، إذا كان هناك فريق يعمل في بنائها ، و فريق آخر ينشغل بهدمها، و قد يكون السبب خلف ذلك بأن المشروع منذ البدء لم يحظ بحوارٍ  واسع، مما أدى إلى نشوئه وسط أجواء معتمة لم تراع فيها و جهات النظر  المعارضة ، بمثل ربان السفينة ، أو قائد الطائرة اللذين أصرا  على الإقلاع في أجواء عاصفة ، و ضباب كثيف بالرغم مما لاحظاه من عدم رضى تجلى في وجوه و قسمات الركاب.
} و الإنفراد بالرأي غالباً ما يؤدي إلى الخطأ ، و الختل ، و يقود آجلاً أم عاجلاً إلى إحباط الأهداف ، و فشل المشروعات ، و إهدار الجهود و إضاعة الأموال.
} و النزاع ، من الأسباب التي تكون محصلتها دائماً ، تشاكساً و سيراً من البعض مع التيار  ، و البعض الآخر عكسه ، فتصبح النتائج إما صفرية ، أو دون ذلك ، إن لم تكن كافية لذهاب الريح ، و لنا في قول الحق تبارك و تعالى المثل الكافي ، و التوجيه الذي يوجب الإمتثال ، و يفرض الطاعة لما نص عليه التنزيل: (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال 46
} و الصبر على التداول ، و التحاور ، هو الذي يفضي للاتفاق، و إتقاء شرور النزاع ، و الخصام ، أما ركوب الصعب ، و فرض الرأي ، و الإستحواذ على سلطة إتخاذ القرار ، وهي جميعاً من العناصر المهلكة التي تسهم في إتساع شقة الخلاف ، و تعميق هوته بنسف المنافع، و الإنشغال ببذر بذور الشر ، ذلك لأن توجهات أفعال الخير ، و النيات الصادقة بشأنها ، لا تنتج مفاعيلها ، و نحن نعلم بأننا نقوم بعمل يواجه بعاصفة هوجاء من الإعتراض.
} و ينطبق ما ذهبنا إليه على كل مشروع سياسي ، أو اقتصادي ، أو غير ذلك بحسبان أن الإجماع ، أو ما يقاربه هو الضامن الوحيد لما يحيل عزمنا و تخطيطنا إلى إنجاز شامخ يناطح ذرى المجد.
} و لا يضر بعد ذلك إن كانت هناك غنمٌ قاصية ، لأن الذئب لا يأكل إلا منها ، و لا يجرؤ للإقتراب قيد أنملة من الإجماع، و كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم (عليكم بالجماعة فإن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية.) (رواه أبو داود وحسنه الألباني).