دولار عبد الوهاب ودولار بدرالدين «4»

479رأينا في مقال الأمس كيف أن الصين ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم ظلت تقاوم الضغوطات العالمية لكي تعوم عملتها أو ترفع سعرها . إن الدول التي تضعف القوة الحقيقية لعملتها عن قصد تفعل ذلك حتى يكون لها اليد الطولى في جعل منتجاتها تنال قصب السبق في المنافسة العالمية. إذا فإن التخفيض من قيمة العملة الوطنية يجب أن يصاحبه إنتاج وفير ولكن تخفيض سعر العملة لمواجهة عجز اقتصادي أو استجابة لنصائح المؤسسات المالية كالبنك الدولي مثلاً يحدث كثيراً من القلاقل الاجتماعية.
إن الثورة التي إندلعت في مصر في السبعينيات اندلعت إثر خطاب نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية، الدكتور عبد المنعم القيسوني، أمام مجلس الشعب في 17 يناير 1977 بمناسبة تقديم مشروع الميزانية عن 1977 حيث أعلن إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، ومنها تخفيض الدعم للحاجات الأساسية بصورة ترفع سعر الخبز بنسبة 50 % والسكر 25 % والشاي 35 % وكذلك بعض السلع الأخرى ومنها الأرز وزيت الطهي والبنزين والسجائر، وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة.
ورد الناس على الزيادات بالخروج للشوارع وفيما استجابت الحكومة وتراجعت عن زيادة الأسعار فإن السادات أطلق عليها ثورة الحرامية وتم القبض على عدد كبير من النشطاء السياسيين من اليساريين وغيرهم.
والمصريون بارعون في معالجتهم لأوضاعهم المالية وحل مشكلة الدولار حتى بطرائق غير متبعة فعندما عين الدكتور حسن عباس زكي وزيراً للمالية كان من ضمن إجراءاته غير المعلنة أن إتبع اسلوباً عجيباً.
كانت مصر قبل سياسة الانفتاح التي ادخلها الرئيس السادات تنتج كثيراً من احتياجاتها مثل الملابس والأحذية والأدوية والحديد والأثاثات وخاصة الأثاث الدمياطي الذي كان يصدر للاتحاد السوفيتي سداداً للديون وفوق ذلك الأرز وظل نظام الرئيس عبدالناصر مهيمناً على الأسعار ومحجماً للاستيراد إلا في حدود قطع الغيار اللازمة للتصنيع الحربي. ولهذا توصلت مصر لأغرب معادلة ، فالجنيه المصري كانت له قوة شرائية عالية داخل مصر فمثلا كيلو الأرز كان سعره خمسة قروش ولكنه كان قليل القيمة في الخارج. وكان الرئيس عبدالناصر لا ينزعج كثيراً لأن الانتاج كان يكفي حاجة مواطنيه وبأسعار في مقدور الجميع. مع منع الاستيراد البذخي للبضائع غير الضرورية وكنا نشهد طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم الذين كانوا يدرسون عندنا يعودون محملين بأمواس ناسيت وعبوات الشاى الكيني وأقلام تروبين وكان السودانيون الذين يودون قضاء إجازاتهم في مصر يملأون شنطهم ببضائع من هذا النوع ويبيعونها في مصر لأنها مرغوبة ويجنون من ورائها عائدات كبيرة.
أما موضوع الدولار فقد توصل الدكتور حسن عباس زكي إلى معادلة لم تكن معروفة . ولأن الجنيه المصري كان قليل القيمة خارجياً فقد صرح الدكتور حسن عباس زكي الذي عمل مستشاراً للرئيس جعفر نميري لفترة من الزمن لبعض الخاصة في جلسات الذكر التي كان يحضرها في مسجد الشيخ قريب الله بأم درمان ـ والدكتور كان متصوفاً يتبع الطريقة الشاذلية والنقشبندية فوجد أن الطريقة السمانية هي الأقرب لتصوفه فكان يحضر حلقات الذكر كأحد حيران الطريقة وكان يختلط بعامة الناس والمتعلمين فأسر لبعض الخاصة إنه قد كسر حصار الدولار في مصر وذلك بطبع كميات هائلة من الجنيهات المصرية وكان يحشو بها حقائب الدبلوماسيين ويطلب منهم بيعها للمصريين في الخارج وارجاع دولارات بدلاً عنها. والمصري الذي يريد أن يرسل أموالاً إلى أسرته أو قرائبه ولعلمه أن الجنيه المصري له قيمة عالية داخل مصر ويفعل الأعاجيب «وأهو جات لحدي عندك هنا» لا يتردد في الحصول على تلك الجنيهات وبتراب الدولارات . والجنيهات المصرية المطبوعة بمثل تلك الطريقة وليس لها غطاء كانت ربما لا تكلف إلا الحبر الذي طبعت به. يتم هذا تحت ظل رقابة صارمة على الأسعار وعلى الاستيراد ولكن لم يكسر ذلك إلا الرئيس السادات الذي جاء بسياسة التحرير والإنفتاح بناءً على توجيهات من البنك الدولي.
وأرجو ألا يفهم من مقالي هذا إنني أدعو إلى إتخاذ مثل هذه الطرائق . ظروف كل بلد وشعب تختلف ولكني قصدت أن أدلي ببعض المعلومات التي أعرفها والمقارنات التي آتي بها علها تعينني في نهاية هذه المقالات أن أقدم رؤيتي لحلول ربما تفيد في الخروج من هذه المطبات والعوائق التي تجعلنا من حين لآخر نصدر من القرارات ما يباعد بين الحكومة والشعب فربما كانت هناك بدائل غفلنا عنها.
«نواصل»