رؤساء أمريكان زاروا السودان ..هل يفعلها ترامب؟

مسارات

مسارات

قد تكون المعلومات المتوفرة لدى الجميع من أهل الاختصاص والاهتمام ان العلاقات السودانية الامريكية بدأت بعد الاستقلال في العام 1956م ، وقد يعود ذلك ان السودان لم يدخل دائرة الاهتمام الامريكي الا بعد الاستقلال ،ولم يعرف الاهتمام به من خلال العلاقات الامريكية المصرية او العلاقات الامريكية السعودية، ولكن هنالك معلومات مؤكدة ان امريكا تعرفت على السودان قبل قرن كامل ويزيد قبل الاستقلال ، وذلك من خلال الكتاب الوصفي عن السودان والذي كتبه أمريكي كان مرافقا لاسماعيل باشا مستشارا عسكريا له في ذلك الوقت من العام 1821م ، وهذا المستشار اسمه جورج انقليش وقد طبع هذا الكتاب في بوسطن في الولايات المتحدة الامريكية في العام 1823م اي بعد عامين فقط من دخول حملة اسماعيل باشا، وقدم في هذا الكتاب وصفا تفصيليا عن رحلته في السودان ، ومنذ ذلك التاريخ لم يتسنى لاحد من ترجمة هذا الكتاب الا في العام 2005م عندما وجد منه الاستاذ عبد الله حميدة الأمين الباحث والمترجم نسخة مصورة من هذا الكتاب في مكتبه السودان بجامعة الخرطوم فقام بترجمته تحت عنوان « الحملة على دنقلا وسنار» ، وهذا الكتاب شكل مرجعا وصفيا للسودان في ذلك التاريخ الذي سبق استقلال السودان بحوالي «140» عاما ، وكان السودان حاضرا في امريكا قبل استقلال السودان ، فقد سجلت بعض الوقائع ان الرئيس الامريكي وودرو ولسون«1913-1921م» قد زار السودان من خلال توقفه في ميناء بورتسودان بعد نهاية الحرب العالمية الاولى «1914-1916» ، وان كان وقتها السودان مستعمرة بريطانية ويعتبر هذا اول رئيس امريكي يزور السودان .
ويوثق كثير من الباحثين العلاقات الامريكية بدأت بعد استقلال السودان في العام 1956م حيث كان في ذلك التاريخ يجلس على الرئاسة الامريكية الرئيس آيزنهاور والذي تولى الرئاسة في يناير من العام 1953م ، وهذه الفترة التي نشطت فيها حركات التحرر الافريقية المناهضة للاستعمار ،وشهدت المنطقة تطورات بقيام ثورة 23يوليو المصرية بقيادة جمال عبد الناصر والتي وضعت حدا للحكم الملكي في مصر ، وبدأت كثير من الدول الافريقية تناضل من اجل نيل استقلالها ، وكان السودان اول دول جنوب الصحراء تنال استقلالها ، واعقبتها بعد ذلك كثير من الدول الافريقية شمال وجنوب الصحراء .
وفي عهد الديمقراطية الاولى في السودان «1956-1958م» وفي شهورها الاخيرة قبل انقلاب الفريق ابراهيم عبود ، زار السودان في ذلك الوقت من العام 1958م نائب الرئيس الامريكي ريتشاد نيكسون ، وكان وقتها رئيس الوزراء عبد الله خليل ، وكان نيكسون يحمل مشروع آيزنهاور ،اي انه يحمل مشروع الرئيس الامريكي في ذلك الوقت ، والمشروع عبارة عن معونة أمريكية للدول التي استقلت حديثا وهو في حقيقته يهدف الى ضم تلك الدول المستقلة حديثا الى المعسكر الرأسمالي ، ولكن هذه الزيارة مناهضة من الشيوعيين والذين عرفوا في ذلك الوقت بالجبهة المعادية للاستعمار ،والذين كانوا يساندون حركات التحرر في البلدان الافريقية ، وعلى طريقتهم منذ ذلك الوقت فقد كتبوا على جدران المؤسسات الخدمية والمنازل «إرجع الى بلادك يانيكسون » ، وكذلك وجد مشروع آيزنهاور معارضة غير صريحة من حزب الشعب الديمقراطي الموالي في ذلك الوقت الى الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، ولم يجد مشروع آيزنهاور مساحة لتنفيذه بسبب هذه المقاومة الى ان جاء انقلاب الفريق ابراهيم عبود في نوفمبر من العام 1958م والذي كانت سياسته في ذلك الوقت علاقات جيدة مع الدول والشعوب ، والذي استفاد من هذا الامر وعادت المعونة الامريكية الى السودان ، ونفذت طريق الخرطوم بحري الخوجلاب هو الطريق المعروف الان في مدينة بحري ب« المعونة » وكانت لافتة هذا المشروع موجودة الى وقت قريب في شارع في المنطقة التي بها مستشفى أحمد قاسم ، وكانت المعونة الامريكية قد نفذت طريق الخرطوم مدني ، وكان الرئيس السوداني ابراهيم عبود قد زار امريكا في ذلك الوقت واستقبله في المطار الرئيس الامريكي كيندي، وعقب عودة عبود من امريكا وجهت الدعوة لرئيس الاتحاد السوفيتي بيرجنيف الى زيارة الخرطوم في اطار سياسته الانفتاح على جميع الشعوب كما زار الخرطوم ايضا الرئيس اليوغسلافي تيتو .
وكان جورج بوش الاب الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس الامريكي وقتها رولاند ريغان قد زار الخرطوم في اواخر عهد الرئيس جعفر نميري وكانت البلاد وقتها تعاني من ظاهرة الجفاف والتصحر ، وقدمت فيها امريكا بعض المعونات المعروفة شعبيا في ذلك الوقت ب«عيش ريغان» .
وكان نائب الرئيس الامريكي جورج بوش الأب يحمل في طياته اهدافا غير معلنة من هذه الزيارة والتي ارتبطت في وقتها بترحيل اليهود الفلاشا ، ثم الانتفاضة التي اطاحت بالرئيس جعفر النميري ، وكان الرئيس قد اجتمع مع اساتذة جامعة الخرطوم ، وقد قيل ان ذلك الاجتماع الذي سمحت به الحكومة كان يناقش فترة مابعد نميري ، باعتبار ان ثورة اكتوبر التي اطاحت بعبود في العام 1964 م قد انطلقت من جامعة الخرطوم .
وظلت العلاقات الامريكية مع السودان متأرجحة في الحقب التي تلت ذلك ومنها فترة الانقاذ الوطني والتي شهدت الحصار الاقتصادي والعقوبات الاحادية وغيرها . ولكن استطاع وزير الخارجية السوداني ابراهيم غندور من لقاء الرئيس الامريكي باراك اوباما خلال اجتماع في اديس ابابا ، وهو المسؤول السوداني الذي قابل رئيسا امريكيا خلال تلك الفترة .
واليوم تشهد الولايات المتحدة الامريكية عهدا جديدا بوصول الرئيس ترامب الى الحكم عبر بوابة الحزب الجمهوري ، ولاتتوقع الخرطوم تطورا ملموسا في عهده خاصة بعد الاشارات العنصرية ضد الاسلام والافارقة والمهاجرين بصفة عامة في امريكا ، وبالتالي قد لا نتوقع ان يزور ترامب السودان خلال فترة حكمه لاي سبب من الاسباب الا ان كان هو فعلا رئيس المفاجآت.