الوضع الاقتصادي الراهن بمعيار المقارنات

422* لسنا من المتشائمين ، لنحكم حكماً مطلقاً على وضعنا الاقتصادي الذي يبالغ البعض منا بوصفه بأنه مأزومٌ  في أعلى درجات الأزمة ، حيث ضاق الحال ، واستحكمت إثر ضيقه جميع الحلقات .
* وبرغم الارتفاع الجنوني للأسعار ، وتدني  دخول الأفراد، وعدم قدرتهم على دفع تكلفة ماهو ضروري لحياتهم من خدمات صحية وتعليمية ومعاشية ،فإن هذه المرحلة فيما لو قورنت مع فترات حرجة عايشناها ، وتذوقنا مرارة آثارها ، فإن  المفارقة بين حال ، وحال وظرف ، وظرف ، تبقى مسألة في غاية  الجلاء والوضوح .
* ففي تسعينيات القرن الماضي ، كلنا نشهد بأن المحروقات التي رفع عنها الدعم ، لم تكن متاحة لتدعم أو لاتدعم ،  وما كان حتى للقادرين الحصول على جالونٍ واحد ، إلا  إذا  قادهم أحدٌ إلى حيث يجده  في سوقٍ أسود، أو لدى تاجرٍ تعود على تخزين مثل هذه السلعة في دهاليز مظلمة ، ومخازن  يصعب التعرف على مواقعها حتى من قبل شرطة ماهرة، أو مباحث ،أو استخبارات .
* والمقارنة تستدعي منا أن نقلب صفحات التاريخ القريب ، لنرى كيف كان النَّاس في هذه البلاد يعيشون ظلاماً دامساً لأشهر عديدة ، وعندما تعود الكهرباء بعد انقطاع طويل استمر لأيام وأسابيع ، يفرح النَّاس بجميع الأحياء ، فيكون استقبال الكهرباء عندما تنير اللمبات ، طبولاً تدق ، ومزامير تطلق ، وزغاريد للنساء ، وتصفيقاً حاراً من قبل الشباب والأطفال .
* كما أن ذات المقارنة ينبغي أن تنسحب على درجة معاناة المواطن ، عندما كان لايجد في مخبز الحي خبزاً ، إذا تأخر ، ولم يسارع بعد صلاة الفجر مباشرة للوقوف في صف طويل انتظاراً لدوره ليتحصل على قطع من الخبز كانت بمثل ذنب القط ، وبرغم أنها لاتقيم أوداً ، أو تشبع طفلاً ، لكن من يحصل عليها في هاتيك الأيام ، يقبل ما ناله من خبز ، ويتبع ذلك بالحمد والشكر لله ، وكانت يومها القناعة بالقليل عنصراً من عناصر الإيمان ، التي كفلت لهذا الشعب كرامة الحياة مما نحس به زاداً يلزمنا بالصبر فيما لو جابهتنا أي أزمة مماثلة مهما اختلفت ، وتنوعت الأزمات .
* والأزمة الاقتصادية التي أفرزت احتجاجاً ، وضاق الصدر رفضاً للإجراءات المقابلة لها ، هي أزمة تحل بعد وفرة ، وارتفاع للسلع بعد انعدام ، وزيادة في حاجات النَّاس بعد تواضع .
* ويكفي أن  نقول بأننا أكلنا الصبر ، وقدمنا خيرة الأبناء ، واهبين لروحهم ، عندما كانت الأرض يباباًً ، والشجر يابساً ، والسوق ليس به سوى البائس  من السلع ، والردئ من الغذاء ، وكانت الحياة دون استثناء يسودها الجفاف ، فلا فرق بين مواطن يعيش في عاصمة ، وآخر يرعى أغناماً تفتقر إلى جرعة من الماء .
* ِوتذكرون جميعاً ما كنا نشتكي منه في مرحلة كانت جفافاً وتصحراً ، وهكذا ينبغي  لمن له عقل أن يجري مثل تلك المقارنات ، وسبحان الله الذي يغير من حالٍ  إلى حال .