حلم الضعفاء

ghaibonaأتعجب واستغرب وأنا استمع واشاهد عدداً من الاعلاميين العرب وهم يعبرون عن خيبة أملهم في فوز المرشح الجمهوري المستر دونالد ترامب وسقوط السيدة هيلري كلنتون . واتعجب أكثر عندما أراهم يتحدثون ويتوقعون من الرئيس الامريكي المنتخب ما يقوم به حيال الشرق الأوسط وحيال القضية الفلسطينية وهو قد وعد بتحويل العاصمة الإسرائيلية إلى القدس وهو لم يمر على انتخابه يوم واحد .
لقد ظلت العاطفة تتحكم على تصرفاتنا وفهمنا لسياسة أمريكا الخارجية . فاحتفينا بوصول الرئيس أوباما لسدة الحكم وتخيلنا إنه سيكون خيراً على الأمة العربية والأفريقية وعندما لم يفعل شيئاً في فترته الأولى توقعنا أن يكون أكثر خيراً وجرأة في فترته الثانية لأنه لن يكون طامعاً في فترة ثالثة ولذلك سيكون أكثر تحرراً من قبضة اللوبي اليهودي وسيفعل كل ما من شأنه أن يكون في صالح العرب والمسلمين ولكن آخر أعماله وهو على وشك الوداع الأخير للبيت الأبيض أن جدد العقوبات الأمريكية على السودان.
العاطفة لا العقل هي التي تحكمت في تصرفاتنا وردود أفعالنا ونحن نتابع الانتخابات الأمريكية ونتوقع فوز هيلري كلينتون حتى إذا سقطت سقطت احلامنا معها وشعرنا بكآبة من المحيط إلى الخليج . والآن نعود لنتوقع ما الذي يفعله دونالد ترامب الفائز رغم أنفنا – ونقول ان ما تفوه به هو فقط لإستهلاك الحملة الانتخابية وإنه سيكون أكثر واقعية في تعامله مع قضايا الشرق الأوسط  والمسلمين . لقد توقعنا سقوطه فأخطأنا والآن نأتي لنتوقع ما الذي سيفعله وستكون تلك هي السقطة  الكبرى.
إن فهمنا لقدراتنا لم يتعد :
«إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً تخر له الجبابرة ساجدينا» أو «ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا».. أو في واقعنا السوداني لم تتعد قدراتنا «دخلوها وصقيرا حام ».. فلم نساير الأمم التي يعمل لها الجميع ألف حساب كالصين مثلاً أو حتى كوريا الشمالية.
السياسة الأمريكية لم ولن تتغير حيالنا بتغيير من يأتي إلى الحكم حتى ولو رسم لنا خيالنا وعاطفتنا ذلك. إنها سياسة ترسم من داخل مجاميع صهيونية ومحافظين ينظرون لصالح أمريكا فقط ، وقد كانت سياسة الرئيس بوش الإبن كلها ترسم من خلال أفكار صهيوني روسي يسمى نتان شرانسكي الذي كان يشارك في خطابات بوش ويصرح الرئيس بوش للنيويورك تايمز مبدياً إعجابه بناتان شرانسكي:
«إن أفكار شرانسكي وخاصة في كتابيه: «المبرر للديموقراطية» «وقوة الحرية لقهر الطغيان والإرهاب» هي جزء من حامضي النووي إنها ستساعدكم على فهم الكثير من القرارات التي إتخذناها والتي نتخذها الآن والتي سنتخذها مستقبلاً». ومن أفكار شرانسكي صاغ الرئيس بوش وإدارته سياسة ما يسمى بالإضطراب أو عدم الاستقرار البناء أو الفوضى الخلاقة.  والذي يتمعن في دهاليز السياسة الخارجية الأمريكية يدرك أن الفوضى الخلاقة والكيل بمكيالين هما وجهان لعملة واحدة تصب في مصلحة أمريكا وهي غير مبالية بأي مؤشر أخلاقي. «وهنا يمكن فهم المنطلق الذي تحاورت به السيدة «مادلين أولبرايت» وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مقابلة تليفزيونية «مايو سنة 1998»:
سئلت «أولبرايت» عن استقالة اثنين من مفوضي الأمم المتحدة مسئولين عن تنسيق برامجها في العراق، وهما «دنيس هاليداي» و»هانزفون سبونيك» ـ كلاهما قدم استقالته لأنه لم يستطع أن يحمل على ضميره وزر وفاة نصف مليون طفل عراقي راحوا ضحية نقص الغذاء والدواء بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة «باسم الامم المتحدة» على العراق؟
وردّت «أولبرايت» قائلة للسائل بالحرف: «ربما إنه ثمن غال كما تقول، لكننا نرى أن الهدف الذي نطلبه يساوي ذلك الثمن وأكثر منه».
«فالعدل حلم الضعفاء ـ لكن القانون يكتبه الأقوياء». هكذا يقول هيكل وما يفعله معلقونا الآن على مجئ ترامب هو حلم الضعفاء ولكن قانون الانتخابات الأمريكية يكتبه الأقوياء الذي جعل الذي يفوز في الانتخابات ليس من ينال أكثرية الأصوات ولكن يفوز في الكليات الانتخابية وعلى العالم أن يشرب من البحر.
«غداً بإذن الله سأواصل في سلسلة مقالاتي عن – دولار عبدالوهاب ودولار بدر الدين».