دولار عبد الوهاب ودولار بدرالدين «5»

479ما الذي دفعني لكتابة هذه المقالات ؟
أنا من بين مجموعة وقع عليها الاختيار لتشارك في الحوار الوطني كشخصيات قومية . جلست مع لجنة العلاقات الخارجية وقدمت ورقة عن «تضاريس السياسة الخارجية» ولكني لاحظت من الوهلة الأولى عندما بدأت أعمال اللجان أن هناك جواً قاتماً من الشكوك والريّب كان يخيم على جلسات الحوار. معظم الأحزاب المشاركة والحركات المسلحة كان ممثلوها غير مقتنعين بنوايا الجهة الداعية للحوار حتى إنه في لجنتنا «العلاقات الخارجية» تفوه ممثل أحد احزاب الشرق بقوله إن الشخصيات القومية كلهم مؤتمر وطني وإنه جيئ بهم ليعملوا كغواصات داخل لجان الحوار ليحققوا أهداف المؤتمر الوطني مع العلم أن المؤتمر الوطني له ممثلون معروفون داخل تلك اللجان ولا حاجة له بتجنيدنا نحن الشخصيات القومية. إلى هذا الحد كانت الشكوك والريّب . وعلى مدى عامين من الحوار والترضيات أزيلت تلك الشكوك وتوافق المتحاورون في اللجان الست ومن بينها لجنة الاقتصاد على مخرجات تعهدت الحكومة بتنفيذها والناس الآن في انتظار تنفيذ تلك المخرجات وعلى رأسها حكومة يرأسها رئيس وزراء.
في رأيي أن السيد وزير المالية لم يكن موفقا في عدة أمور :
1-   لم يكن موفقاً في التوقيت الذي اختاره ليعلن تلك القرارات «بغتة» قبل تكوين الحكومة العريضة التي عليها أن تنفذ مخرجات الحوار. ولا أحد يعلم ما سيكون عليه رد فعل الموقعين على وثيقة الحوار وعادت تنطلق في الأسافير نغمة «نقض العهود والمواثيق» . وإذا كنا نتحدث عن إقناع الممانعين في الانضمام إلى تلك الوثيقة وكان ذلك صعباً فإنه الآن مستحيل.. بل إنهم الآن في موقف الشامتين «ما قلنا ليكم».
2-    حدد السيد وزير المالية زيادات في مرتبات العاملين في الدولة وزيادة بعض البدلات ولكن هذه كلها إن جاءت وهي على قلتها تأتي في أول الشهر القادم بينما الزيادات في الأسعار طبقت من الآن . فماذا يفعل العاملون مع الفجوة التي حدثت دون تغطية تقابلها الآن؟ الوضع الطبيعي كان أن تعدل تلك الرواتب أولا ثم تأتي زيادات الأسعار بعدها على الرغم من أنني غير مقتنع أن تلك الزيادات في الرواتب تعادل الزيادات في الأسعار.
3-   رفع سعر الدولار ليعادل السوق الموازي أو المرازي بالأحري جعل سعر دولارنا البنكي يلهث خلف الدولار المزازي وهيهات أن يلحق به . والفرق بينهما هو الذي يتحكم في السوق وفي الأسعار ولو أبديت إمتعاضاً من سعر سلعة ما لجاءك الجواب الفوري الحاسم :
– إنت ما عارف إنو الدولار الليلة ب 18 ؟ ولا تستطيع أن تفعل شيئاً إلا أن تدفع وأنت صاغر. لأنه في عدم وجود ضوابط أو رقابة كالتي فرضها الدكتور عبدالوهاب عثمان الذي جثم على أنفاس الدولار وظل يسمع حفيفه داخل مخالي سكان شرق النيل فإن سعر دولارنا البنكي سيظل مقطوراً بسعر دولار السوق المزازي ولن يلحق به.
4- أخطأ السيد وزير المالية بتصريحه الذي قال فيه «إن لم تأت ثورة 89 لكنتم جميعاً في المقابر» أو شيئا من هذا القبيل . لقد أعلن إجراءاته التي رأى إن فيها اصلاحاً لشأن الاقتصاد وتقويماً له . وانتهى الموضوع. وهو غير مكلف بالادلاء بأي تصريح مثل ذلك التصريح غير الموفق . ونتيجته كانت أن إنهالت عليه في الأسافير وفي وسائل التواصل الاجتماعي الشتائم والبذاءات التي طالت الدولة في أعلى مستوياتها وليته لو صمت .. لقد سقطت المرشحة هيلاري كلنتون لأنها وصفت أنصار ترامب بأنهم حثالة بغيضون  Deplorables  وظلت تعتذر عن ذلك حتى بعد سقوطها. إن المرء لينطق بالكلمة لا يأبه بها فتهوي به في النار سبعين خريفاً أو كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. فليس المطلوب من السيد وزير المالية أن ينطق بمثل ذلك القول الاستفزازي في وجه أبناء وطنه من الغاضبين غلواً في مناصرة حكومة هو أحد وزرائها ولم ينازعه أحد في منصبه.
إن حل المشكلة الاقتصادية يكمن في زيادة الانتاج . في عام 1984 كان إنتاجنا من القطن فقط يساوي مليونين ونصف بالة فإذا بقينا على ذلك الانتاج الآن وسعر البالة 900 دولار ومع تدهور أسعار النفط فإن البالة الواحدة تساوي 18 برميل نفط من «أبو 50» دولارا. ناهيك عن زيت البذرة والأمباز .
المعادلة التي تعيد لنا العافية ذات ثلاثة أضلاع:
أن ننتج أكثر مما نستهلك
أن نزرع «أشجار» أكثر مما نقطع
أن ننظف أكثر مما نلوث.
ورحم الله الدكتور عبد الوهاب عثمان «مصرم الدولار» الذي أوقفني على مزجر الكلب وهو يظن أنني قد اشتريت من السوق السوداء مائة الف دولار وهو يقول لي من بعد أن فهم إنني لست المقصود:
– مبروك طلعت براءة.