ديك الجن

ghaibonaفي سوق ليبيا شاهدتها تحمله.
كان ديكاً كغيره من الديوك التي تحمل للأسواق رأسه متدلياً للأسفل وبالنسبة له فإن الدنيا كلها مقلوبة ولا تستعدل إلا حينما يحمله زبون ليراه من قرب.
قلت لها:
– الديك بي كم ؟
– بعشرة ألف
قلت محتجاً:
– عشرة ألف ليه؟ أصلو ديك الجن؟
أجابت:
عشرة ألف… عشرة ألف… شنو كمان؟ ما كتر حساب بس..
واخترق تفكيري بارق خاطف. هذه المرأة وبلغة بسيطة تشير إلى التضخم. تلك الحالة التي تستعصي على كثير من الأنظمة الإقتصادية في العالم. وقد أدركت المرأة إنها عندما تتخلى عن ديكها بعشرة آلاف من الجنيهات كانت في يوم من الأيام تقود بها مراحاً من الجمال فإنها لن تستطيع أن تسترجع  ديكها بضعف ذلك المبلغ.
تلك الحالة التي وصفها شاعرنا وهو يحكي حال الجنيه السوداني:
حليلك بالكتير ما عمرنا بعدك جفّ
والغني والفقير في الوجبة ما بتكفى
كان في الكف نشيلك ونملا بيك القفة
بقت القفة جزلان.. والخضار في الكفة
ويتعب علماء الإقتصاد في البحث عن مصطلحات علمية يزينون بها خلاصة ما توصلوا إليه في تشخيصهم للحالة الإقتصادية وهذه المرأة تصف «التضخم» «بأنه كتر حساب بس».
إن الأسعار مثل الروح… فإذا طلعت الروح هل ستنزل مرة أخرى؟ وتلك إشارة إلى أن الأسعار والتضخم هما وجهان لعملة واحدة. متلازمان في حلهما وترحالهما. ولا يمكن أن تنزل الأسعار وتترك معدل التضخم مواصلاً صعوده الميمون. ولقد وضحت لي امرأة بسيطة هذه الحقيقة في سوق ليبيا أمراً لم يخطر على بال آدم سميث الإقتصادي ذائع الصيت الذي تدرس نظرياته لطلاب الإقتصاد.
وهذا يفسر لماذا تخلو بعض رفوف البقالات والدكاكين والحوانيت الصغيرة من البضائع. وسآخذكم معي في رحلة إلى أسفل السلم. فنقول «كونو مثلاً ضرباً في الحديث» صاحب الدكان يملك عشرة أصناف ثمنها مليون جنيه… فإذا باعها واستلم المليون جنيه وبالرغم من أنه ربح فيها.. إلا إنها لن تشتري له عشرة أصناف مثلها ولكنها تشتري له ستة أصناف. فإذا باع هذه الستة أصناف واستلم ثمنها مليون ونصف، فإن المليون ونصف لن تشتري له ستة أصناف وبالكتير تشتري له أربعة أصناف. ولو أنه باع الأربعة أصناف هذه بمليونين فإن تلك المليونين لن تشتري له أربعة أصناف ولكنها تشتري له صنفاً واحداً. فإذا باع ذلك الصنف بثلاثة ملايين، فإن ملايينه الثلاثة لن تشترى له أي شيء من صنف بضاعته لأن سعر ذلك الصنف أصبح ثلاثة ملايين ونصف. وهكذا تصبح رفوفه فارغة .. فإين ذهبت أصنافه العشرة التي كانت تتحكر على رفوفه؟…. لقد إبتلعها التضخم في جوف معادلاته غير المرئية لكنها محسوسة جداً في جلد الإقتصاد السوداني.
ولذلك فلو صرفت راتبك وكان في حدود المليون جنيه، لا تذهب لتشتري اللحم والخضار وغيره «من دربك دا» بل إشتر به ولنقل «بلوتينات» سيارات. فإذا أردت اليوم أن تشتري اللحم والخضار طلع واحد بلوتين وأصرفه وإشتر لحمك وخضارك وهلمجرا. وبعد غدٍ طلع واحد بلوتين وأصرفه وادفع الكهرباء وفاتورة الماء وهلمجرا. وحتى هلمجرا هذه إذا أردت أن تشتريها طلع واحد بلوتين واستمتع بهلمجرا مدنكلة. وفي رأيي أن الحكومة ستحسن صنعاً لو صرفت للعاملين بها رواتبهم في شكل بلوتينات وكناين ومفكات وضلف أبواب وكريمات تفتيح البشرة لأن هذه الأصناف هي الأكثر طلباً اليوم وسعرها في ارتفاع.
ومن ناحية أخرى نحن نشكو لطوب الأرض ومافي «درابة» ما شكونا لها.. من تعالي الدولار علينا وزحفه الصاروخي ولكننا في نفس الوقت نهدر ما عندنا من دولارات في إستيراد «هتش» أو Clatter من المصائب البلاستيكية التي يتجول به الباعة المتجولون حول إشارات المرور وهي كلها عبارة عن نفايات نحن نصرف عليها عملات حرة نستوردها بها ونتخلص منها بعملة صعبة «طبعاً ما في أصعب من الجنيه السوداني». لماذا لا نمنع دخول تلك النفايات المصنعة إلى بلادنا؟
آخر الكلام:
لكي تكون بلادنا رخية ورضية ، علينا أن نزرع أكثر مما نقطع، وننظف أكثر مما نلوث، وننتج أكثر مما نستهلك. ولا نقبل ولا نشتري ولا نهدي أية هدية مصنوعة من جلد النمر أو التمساح أو الورل أو الأصلة أو سن الفيل وليكن شعارنا الحياة لنا ولسوانا. ولكي نحافظ على تلك الحياة الغالية لا نتكلم في الموبايل ونحن نقود السيارة أو نعبر الشارع. ونغلقه أو نجعله صامتاً ونحن في المساجد.