أحزاب وأموال (2)

423(1)
نزمع في هذه الحلقة من سلسلتنا، بعون الله، ونحن في مقام المراجعة والتقويم والنقد الذاتي، أن نفتح صفحة التمويل الداخلي والخارجي، وكشوف النشاط الاستثماري لأحزابنا الوطنية، بما في ذلك الحركة الاسلامية، فنتفحصها ونتملاها، ثم يكون من أمرها وأمرنا ما يكون.
(2)
نحن – وغيرنا – يعلم عن الحزب الاتحادي الديمقراطي العتيد أنه لا يملك ولا يدير أية استثمارات مالية حزبية. وإن كان مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، راعي الطائفة الختمية ورئيس الحزب، يملك ويدير استثمارات واسعة خاصة بالأسرة والطائفة داخل وخارج البلاد. ولا تخضع هذه الاستثمارات لأية ضوابط مؤسسية حزبية، باعتبارها من شؤون الطائفة لا الحزب. وقد اعتمد الاتحادي الديمقراطي تاريخيا وفي المقام الاول على تبرعات وهبات الموسرين من رجال الاعمال والتجار الذين يحتشد بهم الحزب، ذلك فضلاً عن المساعدات والتمويل الخارجي، الذي بدأ بتمويل الحكومة المصرية لانتخابات 1953 كما هو مرصود في بطون كتب التاريخ المعاصر.
ومما لا خلاف عليه أيضاً أن زعيم الحزب، السيد الميرغني، تحصل خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات على دعم وتمويل متصل من نظام الرئيس صدام حسين في العراق، والعقيد معمر القذافي في ليبيا. وذلك استطراداً لتحالفات بين الحزب وحكومتي العراق وليبيا سبق ان أسسها وشاد بنيانها الراحل الشريف حسين الهندي.
وثابتٌ أيضاً، عند عباد الله الصالحين من العلماء، أن الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة القومي والجبهة الاسلامية القومية، تلقت دعماً متساوياً لتمويل الانتخابات البرلمانية عام 1986 من العقيد الليبي معمر القذافي، بلغ اثنين مليون دولار لكل حزب.
قد يبدو ذلك الرقم كبيراً للبعض ممن لا علم له بتكلفة الانتخابات في بلد كالسودان. وقد يُدهش هؤلاء أن يعلموا ان حزب الامة اعتمد في تمويل الانتخابات بنسبة 85% على على المساهمات المحلية، من تبرعات عضويته الضاربة، ممثلة في السيارات والوقود وتمويل الندوات والضيافة والنثريات. ولا علم لي بأرقام الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأتصور انها مشابهة لرصيفه. أما الجبهة الاسلامية القومية فقد صرفت على تلك الانتخابات صرف من لا يخشى الفقر، ودلقت داخل البئر أموالاً تضاهى كنوز قارون.
(3)
كان حزب الامة في طليعة القوى الوطنية التي عانت أمر المعاناة في مجال المال، حيث انتهى عهده بالاستثمار والقدرة على تمويل الأنشطة السياسية بعد انقلاب مايو 1969، حين قامت سلطة نظام القوميين والشيوعيين بمصادرة شركة دائرة المهدي وتحفظت على أموالها. إلا أن الحزب تسلم عقب ذلك وتحديداً خلال الفترة 1969 -1970 بعض المساعدات المالية المحدودة من ملك السعودية الراحل فيصل بن عبد العزيز، وذلك في اطار التحالف السياسي ضد المد الشيوعي في المنطقة. ثم تلقي – شأنه شأن الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الاسلاموية – المشاركتين في تنظيم الجبهة الوطنية دعماً مالياً من نظام العقيد القذافي خلال السنوات التي اعقبت تشكيل الجبهة وحتي فشل محاولة اسقاط النظام المايوي عن طريق الغزو المسلح في يوليو 1976، واستمرت الاحزاب الثلاثة بعد ذلك، كلٌ على حدة، في تلقي العون المالي بأقدار متفاوتة من النظام الليبي.
ثم كان أن توقف الدعم الليبي تماماً عقب انقلاب الانقاذ في 1989 الذي ايدته طرابلس، واستمر ذلك حتي العام 1998 حيث تمت المصالحة بين القذافي وحزب الامة.
استأنفت ليبيا دعمها بعد عودة الامام الصادق المهدي من المنفي الى الخرطوم في العام 2001،  غير أن العقيد القذافي عاد فقطع علاقته بالحزب في العام التالي مباشرة بعد ان رفض الامام الصادق المهدي عرضاً انقاذوياً للمشاركة في الحكم تبنته ليبيا.
وفي ذات الوقت كانت علاقة حزب الامة بالمملكة العربية السعودية قد انقطعت تماماً، بعد ان غضبت الأخيرة على دعوة الامام الصادق المهدي لتشكيل لجنة دولية للتحقيق في احداث الحرم الشريف، وما تعرض له الحجاج الايرانيون هناك في ذات العام. وكانت السعودية تحس أصلاً بمرارة شديدة تجاه السيد الصادق المهدي لموقفه السابق المستقل تجاه الحرب العراقية الايرانية ورفضه إدانة إيران.
(4)
وربما حالت حياة الترحال والقلق وعدم الاستقرار، والمعارضة الدائمة والتآمر الانقاذوي المتصل ضد الحزب دون ان يتمكن الامام الصادق المهدي من انجاز هياكل اقتصادية استثمارية تعين الحزب على تنظيم شؤونه المالية، حتي يكون المال عوناً له في أن يلعب الدور اللائق به في الحياة السياسية. الا ان حزب الامة برغم كل ذلك يتميز بدرجة عالية نسبياً من كفاءة الادارة المالية والشفافية تفوق بما لا يقاس بغيره من الاحزاب الوطنية. ونعلم أن الراحل المغفور له السيد صلاح المهدي، شقيق الإمام، كان هو المسؤول الاول عن مالية الحزب حتي وفاته في العام 1987 ، تلاه القيادي المهدوي المنشق عن الحزب، السيد مبارك المهدي، الذي تولى مسؤولية الحزب المالية حتي العام 1997، وقد شهد لهما قادة الحزب وكوادره عبر السنوات بالكفاءة والفاعلية والأمانة والاستقامة.
(5)
أما جماعة الاخوان المسلمين، ثم الجبهة الاسلامية القومية، التي انداحت عقب انقلاب الانقاذ في كيان المؤتمرين الوطني والشعبي، فإننا نعرف عنها انها كانت حزباً فقيراً معدماً حتي العام 1977، حين تمكن قادته وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي من اقناع الرئيس السابق جعفر نميري بأن يسمح لهم بإنشاء المصارف الاسلامية، وفي طليعتها بنك فيصل الاسلامي السوداني وبنك التضامن الاسلامي وبنك البركة، ثم ما تلاها من المصارف. فضلاً عن الهيئات المدرة للبترودولار، مثل منظمة الدعوة الاسلامية، التي هيأت للحزب استثمار وتوظيف التمويل الخليجي باسم الدعوة، لمصلحتها السياسية الذاتية.
وقد تمكنت الحركة الاسلامية عبر هذه المؤسسات من تمويل كوادرها واستقطاب غيرهم، وتوسيع قاعدتها الصفوية الى قاعدة شعبية أوسع نفوذاً وأكثر تأثيراً وانتشاراً وفاعلية.
معلوم ان الحركة الاسلامية اعتمدت اعتماداً شبه كامل حتي العام 1977 على التمويل الليبي عبر الجبهة الوطنية. وكانت حتى ذلك العهد تعاني من ظاهرة مفارقة كوادرها من الشباب والطلاب للتنظيم بعد دخولهم الحياة العملية. وهو الحال الذي تهيأ لها ان تتغلب عليه بعد دخولها عصر البترودولار والصيرفة الاسلامية والاستثمارات (من شاكلة دان فوديو) كما سبقت الاشارة. وتعتبر الحركة الاسلاموية السودانية من اكثر التنظيمات في العالم نجاحاً في استخدام المال وتوظيفه لمصلحة ربط العضوية بالتنظيم.
وقد ذكر لى سياسي سوداني مخضرم، واسع المعارف، أن الدكتور حسن الترابي اقتبس فكرة استخدام وتوظيف الاستثمارات المالية لتثبيت العضوية وتمكينها وتفعيلها من الامام عبد الرحمن المهدي. ويُعرف عن الإمام السيد عبد الرحمن أنه أسس دائرة المهدي وادارها وكأنها (بيت تمويل)، يقوم بتمويل وتنمية العضوية والقيادات في طول السودان وعرضه، الى جانب دورها كمؤسسة منتجة توفر الأموال عبر الانتاج.
ولعلني – في مورد إلقاء مزيد من الضوء على هذه الفكرة – أنقل ما جاء ضمن مذكرات لم تنشر بعد لشخصية سودانية بارزة وثيقة الصلة بحزب الامة، من أشارة تفصيلية الى حديث منسوب الى الحاج عمسيب، احد قيادات حزب الامة بمدينة كوستي -متعه الله بالصحة وأطال عمره، وهو يقترب الآن من عامه المائة-. تقول الرواية: (ذهبت مع والدي للامام عبد الرحمن حيث اشتكى له الوالد من أن السيد الصديق المهدي اشترط تمويل مشروعه الزراعي مقابل نصف الأرباح، بينما عرض هو الربع. فاستدعى الامام عبد الرحمن ابنه الصديق ووجهه قائلاً: «يا الصديق يا ابني. عمسيب ده زولنا في كوستي. يا تموله بشروطه، والا بموّله أنا مجانا»!
(نواصل)