نفثات الجمعة الجامعة

479عندما أطلق المفكر الفرنسي جان جاك روسو صيحته داعيا الناس الي الرجوع الي الغابة وهجر المدن كان قد ضاق ذرعا بحضارة الانسان التي شيدها لتكون وعاءً لحضارته.
مسكين روسو ، لم يدر أن العالم الآن قد تحول كله الي مدينة كبيرة . لم تعد هناك غابة يلجأ اليها . فباسم التصنيع والتحديث أجتُثت الغابات من جذورها وقامت في مكانها المصانع والطرق ومساحات الغابات البسيطة التي بقيت تلوث هواءها بدخان المصانع وماتت الحياة في داخل الأنهار بفعل تدفق المواد الكيميائية وتراكم المخلفات العصرية.
وكنت قد ذكرت في  مقال سابق أن معدل إزالة الغابات يبلغ فداناً كل ثانية ولكن آخر نشرة اطلعت عليها تقول إن ذلك المعدل قد بلغ الأن خمسة فدادين كل ثانية .
إن التغول الذي حدث أدي الي إنقراض عينات كثيرة من الحيوانات والنباتات والعالم يتجه اليوم نحو التصحر الكبير بعد أن انقشع الغطاء النباتي وقلة الأمطار وإبتلعت الكثبان الرملية معظم الأدوية وحتي زيادة الأمطار أصبحت كارثة مدمرة بعد أن زال الغطاء النباتي .
إن المدن التي شيدها إنسان القرن العشرين لحضاراته مثل مدينة برازيليا عاصمة للبرزيل بدلاً عن ريو دي جانيرو خلت من الخضرة والأشجار وإرتفعت أبنية عالية من الأسمنت المسلح وإستطالت حتي حجبت ضوء الشمس وتحول الإنسان الي جرذ صغير معلب في سيارات فولكس واجن يبحث عن قوته بالمنافسات والمصادمات والجريمة ثم حتي إذا هبط المساء انزوي بعيدا مغرقا همومه في المخدرات وعقاقير الهلوسة والجنس يطارده شبح الايدز والهيربس ورصاص المافيا.
الغابة الوحيدة التي بقيت ليهرب اليها انسان القرن العشرين تكمن فى داخله فإذا احسن زراعتها صلحت ملاذا يلجا اليه يقيه زلازل العصر التي نحس بها الان. وعليه فإن الرجوع الي الحياة البدائية يتطلب عملا حقيقيا في الداخل طالما ان الغابات قد صارت فحما.
والملائكة الذين قال لهم الله سبحانه وتعالى : إني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا له : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟
هل كانوا يتوقعون ما يحدثه إنسان حضارة القرن العشرين أم بسابق علم بأمم سابقة عاثت في الأرض فساداً وسفكت الدماء؟
نسأل الله أن يجعلنا ممن يحسنون الخلافة ويصلحون في الأرض ولا يفسدونها . إن الذين يستهلكون كل ما وهبه لهم الله من خيرات فيتطاولون في البنيان ويلوثون ولا ينظفون فليتأملوا قول الله سبحانه وتعالى :
) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( يونس: 24 .
اللهم صل على نبينا الكريم وعلى آله وصحبه اجمعين، واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وأغفر لوالدينا ولأحبابنا وأهلنا وعشيرتنا في كل مكان. إنك سميع قريب تجيب الدعوات وجمعتكم مباركة.