هَدْيُ النَّبيِّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – عندَ نزولِ الغيثِ

نعيش هذه الأيام نعمة عظيمة ورحمة كريمة تستوجب الحمد وتقتضى معرفة قدرها وكيف كان معلمنا الأول وقدوتنا وأسوتنا صلى الله عليه وسلم يستقبل غيث السماء الى الأرض ، وابتداءا هيا بنا نتأمل ونتدبر بعضا مما عرفنا الله به من نعمته حيث يقول الله تعالى : ((وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)) الشُّورى: 28، ويقول تعالى : ((يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)) فالله القادر المقتدر، باسطُ اليدينِ بالعطايا، كثيرُ البركاتِ والهدايا، يُرسِلُ الرِّياحَ مُبشِّراتٍ بالخيرِ والأرزاقِ.
وقد كان للنَّبيِّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – هَدْي عظيم وسلوك مبارك عندَما تمطر نزول الغيث فمن ذلك :
1- كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا اشتَدَّتِ الرِّيحُ، فَزِعَ فسأَلَ اللهَ خيرَها، واستعاذَ به مِن شَرِّها. تقولُ أُمُّ المؤمنين عائشةُ رضي اللهُ عنها: كانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ) قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ؛ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: (لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ((فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)) أخرجه مسلمٌ.
2- وكان مِن هَدْيِه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – إِذَا رَأَى نَاشِئًا فِي أُفُقِ السَّمَاءِ (أي سَحابًا لم يَتكامَلِ اجتِماعُه) تَرَكَ الْعَمَلَ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا) ، فَإِنْ مُطِرَ قَالَ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا) أخرجه أحمدُ ، وأبو داودَ ، وصحَّحه ابنُ حجرٍ في (تغليق التَّعليق) والألبانيُّ في (صحيح الكَلِم الطَّيِّب).
3- ومِن هَدْيِه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – أنَّه يَتعرَّضُ للمطرِ ببدنِه، يقولُ أنسُ بنُ مالكٍ -رضي اللهُ عنه-: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: (لأنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى) أخرجه مسلمٌ.
وكان ابنُ عبَّاسٍ – رضي اللهُ عنهما – يُخرِجُ متاعَه لِيُصِيبَه المطرُ، فكان إِذَا مَطَرَتِ السَّمَاءُ يَقُولُ: يَا جَارِيَةُ, أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي. وَيَقُولُ: ((وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيد(9ِ)) سورة ق ، أخرجه البخاريُّ.
4- وكان مِن هَدْيِه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – إذا نزل المطرُ يقولَ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) ، تقول عائشةُ -رضي اللهُ عنها : كَانَ رَسُولَ اللَّهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) . أخرجه البخاريُّ ، وجاء أنَّه قال: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا) كما عندَ الإمامِ أحمدَ وأبي داودَ.
5- وكان – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – يقولُ أيضًا: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ) مُتَّفَقٌ عليه، ويقولُ أيضًا، كما عندَ البخاريِّ: (مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَبِرِزْقِ اللَّهِ، وَبِفَضْلِ اللَّهِ).
6- وكان – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – يقولُ إذا رأى المطرَ: (رَحْمَة) أخرجه مسلمٌ، فيُسَنُّ أن يقولَ المسلمُ عندَ رؤيةِ المطرِ: (رحمة)، وهذا مِن الفَأْلِ الحسنِ.
7- وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا اشتَدَّ المطرُ قال: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) مُتَّفَقٌ عليه. وهذا يُسمَّى عندَ العلماءِ بدُعاءِ الاستصحاءِ، يعني: إيقافَ المطرِ، وانكشافَ السَّحابِ، وهذا مِن أَدَبِه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – فإنَّه لم يَدْعُ ربَّه أن يقطعَ المطرَ، بل ينقلَه ويُحوِّلَه إلى مكانٍ آخرَ.
8- نزولُ المطرِ مَوْطِنٌ من مواطنِ إجابةِ الدُّعاءِ؛ قال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَتَحْتَ الْمَطَرِ) أخرجه الحاكمُ في المُستدرَكِ، وحسَّنه الألبانيُّ في صحيح الجامع، قال الإمامُ المُناوِيُّ رحمه اللهُ تعالى: (أي لا يُرَدُّ، أو قَلَّمَا يُرَدُّ؛ فإنَّه وقتُ نزولِ الرَّحمةِ) ، فيُستحَبُّ الدُّعاءُ في هذا الوقتِ.