«نوبل للمجتمعات المتميزة»

الكتابة للمستقبل: آن الصافي

تشكُل الحياة قبل ملايين السنين اتخذ نوعاً نمطاً بطيئاً لاحداث تغيرات في الطبيعة وبالتالي في مجريات الحياة، ومنذ ظهور الآلة في حياة الإنسان بدأ تاريخ جديد للبشرية، والآلة هنا تعني كل أداة يصنعها الإنسان للاستخدامات الحياتية اليومية.
كما نعلم، سرعة نقل المعلومة الآن في العقد الثاني من الألفية الثالثة يستغرق جزءاً من الثانية بين مدينتين مثل الخرطوم ولندن، عبر وسائل الاتصالات الحديثة. لنقل ذات المعلومة قبل 100 عام من الآن لربما استغرق الأمر دقائق قلة عبرالبريد والبرق والهاتف الثابت وربما السفر بالقطار والباخرة وعربة لتستغرق المهمة أسابيع أو أشهر قلة. بينما قبل 500 عام وأكثر لاستغرق الأمر أشهراً من السفر والترحال بالبحر والتنقل بالسفن والدواب والمشي على الأقدام. لا ننسى كلما عدنا بالزمن للماضي وجدنا مشقة الطريق، وربما صعوبة التنقل ليس فقط بعدم توفر المواصلات المناسبة، بل لرداءة وقساوة الطقس، وعورة ومخاطر الطريق، مثل تواجد حيوانات شرسة وربما عصابات مسلحة ولصوص.
تكُيف الإنسان مع معطيات الحياة الراهنة وتسخير التقنية لأداء مهام في وقت قياسي وجودة عالية أصبحت حقيقة تتطلبها التنافسية وتحقيق النجاحات للفرد ومنظومة العمل.
بالطبع هناك فرق بين أن نكون مصنعين ومنتجين لهذه التقنيات الحديثة أو مطورين لها أو فقط مستخدمين ومستهلكين. في كل الأحوال دخلت أنماط جديدة على حياتنا أثرت في القطاعات الخدمية بأنواعها من تعليم وصحة وزراعة وصناعة واتصالات ونقل ..الخ.
كما ورد في ورقة سابقة عن أهمية المنتج الإبداعي وأهمية دراسته لما يعكسه من ثقافة ولأنه يؤرخ لتجارب إنسانية ويعرض أفكاراً تشكلت في حقبة زمانية ومكانية بعينها. الكتابة جزء من الإبداع وعلى مر العصور لانتقاء الأجود من المنتج الإبداعي خصصت مسابقات وجوائز لمكافأة أفضلها حسب معايير يضعها المحكمون وترضخ لذائقتهم والغرض الذي من أجله قامت المنافسة.
نموذج: كما في كل عام نجد أشهر جوائز القرن العشرين والتي واكبت القرن الواحد والعشرين أيضاً، جائزة نوبل التي تحتفي بالمنجز الذي تقدمه الشخصيات المرشحة في مسار الحياة البشرية، عبر عدة حقول من ضمنها الاقتصاد والكيمياء والفيزياء والطب وكذلك الآداب. حين أعلنت جائزة نوبل لهذا العام أنها ذهبت للموسيقي وكاتب الأغاني بوب ديلان وكما ذكرنا في الورقة قبل الأخيرة أنه قبع صامتاً حيال تواصل لجنة الجائزة، ولم يعرف حينها موقفه سلباً أو ايجاباً ليفاجئ المتابعين باعلانه بعد اسبوعين من نشر خبر فوزه بسعادته وتقديره لهذا الاختيار وعليه من المرجح حضوره لحفل التنصيب في الرابع من ديسمبر هذا العام في مدينة استوكهولم.
ومنذ اعلان فوزه وحتى اللحظة حملت آلاف المقالات والحوارات والتصريحات من جميع أقطار العالم آراء المتابعين تعليقاً على هذا الفوز «المختلف» لأنه لم يذهب لأديب كما كان متعارفاً عليه فهذه أول مرة تذهب الجائزة لموسيقي ولأول مرة تذهب لشخص حاملاً للجنسية الأمريكية في الجائزة المخصصة للآداب. الحقيقة هذا الفوز لم يفاجئ من هم يدركون أن معطيات هذه الحقبة الزمانية تأتي بالكثير من «المختلف» وفي كل الحقول لنجد أن كسر الروتين أصبح هو الشيء المتوقع والاتيان بكل ما هو جديد كفوز الملياردير دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة من خلال كلمة صناديق الاقتراع وليس في ذلك سوى كسر لنمطية دامت لعقود بفوز رؤساء من ذات الحزب «الديمقراطي» وتذهب الرئاسة بعد خمسة رؤساء منهم للحزب الجمهوري ممثلاً في شخص الرئيس الذي سينصب في حفل بعد أشهر قلة.
السيد ترامب أثار الجدل حول تصريحاته أثناء وقبل الحملة الانتخابية التي حملت مضامين عنصرية عبر الصحافة والإعلام ومواقعه الالكترونية وتوقع الكثيرون عدم وصوله للبيت الأبيض بعدها ، ولكنه خيب ظنهم و كان أن أتت النتيجة ب «المختلف» ليصل لقيادة بلاده بأغلبية ساحقة محرزاً تقدماً عن منافسته الديمقراطية السيدة هيلاري كلنتون.
نحن في حقبة تحمل الكثير من «المختلف» الحادث مواكباً الآن والقادم في طي المجهول وما علينا سوى التهيئة لاستقباله بشيء من الحصافة ان جاز التعبير وعدم اهتزاز أرضية المنطق لصدمات قادمة« كما عكست ورقة من هذه السلسلة المعنونة ب مستقبل خالي الصدمة»، فكل ذلك حصيلة منطق تعرفه معطيات هذا العصر، بل وتتنبأ به عبر قراءات واقعية وعقلانية ربما لم يكن متعارف عليها قبل سنوات قلة، ولكن هي استقراءات عرفنا مقدماتها ونجني فقط محصلتها واحدة تلو الأخرى عبر الزمن الحاضر والمستقبل أمامنا.
اذن تغير مجريات وأحداث الحياة المؤثر في مرتكزات النمطية التي يعرفها العقل البشري تسير في تغيرات ومتغيرات تحملها نحو المستقبل بسرعات غير معهودة أومسبوقة أصبح أمراً غاية في الواقعية ودليلا على مرونة التلقي عبر فئات عريضة من المجتمعات ويدل ذلك على وضوح الرؤية لديهم من خلال الفهم والادراك والآن لا يجب علينا سوى استيعاب ما قدمه هذا الحاضر «المختلف» وتهيئة أنفسنا وواقعنا للقادم الذي سيكون بدوره أكثر اختلافاً مما حملته ذاكرة الحضارات الكائنة، وان لم نفعل سيركننا التاريخ جانباً عبر هوامش لن يلتفت لها أحد أو نعنون بالمتخلفين عن ركب التحضر الإنساني!
تخصيص دولة الامارات المتحدة الفتية في مسيرتها الإنسانية ليوم للتسامح بعد سن قانون نبذ التمييز قبل سنوات قلة يجعلنا نضع نصب أعيننا مبادئ ومرتكزات الحضارات الحديثة وكيف تستفيد من معطيات الدراسات الإنسانية و في «زمن قياسي» تصنع الواقع «المختلف» لما هو سائد في المنطقة عبر ثقافة وتاريخ ومسيرة تنافسية ليس على الصعيد الاقليمي فقط بل على الصعيد العالمي حتى، ومسعاها للوصول الى مصاف دول العالم المتقدمة مع المحافظة على القيم الإنسانية وتسخير أدوات العصر الحالي لخدمة الفرد والمجتمع في تميز وتطور يحتذى.
أما آن لدول حضارتها الإنسانية ضاربة في القدم أن تسن القوانين التي تنبذ التمييز بأنواعه وتسعى لصنع السلام والتسامح من خلال العمل وليس القول وحده للنهوض بالفرد والمجتمع عبر جميع أجهزة هذه الدول؟ لِمَ فقدنا القدوة الحسنة والاحتفاء بالعقول المستنيرة التي تسخر طاقتها لتقديم أفكارها العلمية للتأثير في مسيرة وصنع قرار المتلقي لما فيه مصلحة الفرد والمجتمع؟!
ماهي معايير اختيار القيادات في هذه الدول؟
ان عظمة القيادات الناجحة والمؤثرة تقاس بما تقدمه من نماذج قيادية أخرى تقدمها للحضارة البشرية عبر المؤسسات الرسمية والأهلية حافظة لهيبة وكينونة الإنسان والفكر القويم في كل حقل.
عصر «المختلف» هو الذي نعيشه منذ عقود قلة وسيسير بنا نحو المستقبل أما اتعظنا لمواكبة العلم والحيادية والموضوعية في التلقي والتحليل والتخطيط وصنع القرارات ؟
فلنصنع نوبل «المختلف» للحضارات التي تقدم نماذج إبداعية في كل حقل وتتوج مجتمعاتها باحتفاء دائم بالقيم الإنسانية والترقي في سلم التطور البناء صوب التميز والابتكار الهادف بخيراته ليس لفئة محدودة بل للبشرية في كل مكان وكل زمان.