موتوا بغيظكم

420(1)
٭ أحد الأصدقاء لطيف العبارة قال لي يوماً (لو أن أهل الحسد والغل والحقد هؤلاء وظفوا جهدهم وطاقاتهم في تنمية مداركهم واستكشاف قدراتهم ربما وجدوا وطوروا مهاراتهم واستفادوا وأفادوا وكفوا الناس مؤونة التشكيك والظنون)، وكنت منذ أمد بعيد قد وطنت نفسي على التعايش مع هذه النماذج من الناس، وذلك وفق منظور واسع، وأول ذلك (إن المكر السييء لا يحيق إلا بأهله)، وثاني الأمر أن أقدار الله ماضية، لا تتبدل ولا تتغير، بل أن القرآن الكريم وعدهم بأقوى عبارات (موتوا بغيظكم)، (وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور..) آل عمران «911»، قال القرطبي: العض عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على نفاذه، وقال ابن كثير: ان الله متم نوره والله عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤملون، وأنظر بشاعة الغيظ حيث ارتبط بجهنم (تكاد تميز من الغيظ كلما القى فيها فوج سألهم خزنتها، ألم يأتكم نذير.. الملك 8)، فهذه حال شديدة البؤس، ولذلك وضع بعض العلماء الحقد والحسد من كبائر الباطن.
(2)
٭ لقد سمى القرآن الكريم هذه الحالة بالمرض (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم.. سورة محمد 92). وهي كل ما في القلب حسد وغل، وتلك حالة مستمرة في كل عهد وزمان، وفي سورة البقرة «في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون.. البقرة 9) وتشير الآيات اللاحقة الى تقلبات أهل هذه الحالة حتى الآية 41 ليستبين أن الشيطان من يحدد مسارات مواقفهم ويسيطر على مدركاتهم (وإذا خلوا إلى شيطانهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزِءُون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون.. البقرة 41).
٭ ولا شك أنهم مرضى ظنون وهواجس وحظوظ نفس وتتلبسهم أحوال فوق قدرة احتمالهم، لأن قلوبهم خالية من الإيمان والقناعة واليقين.
٭ والحقيقة ان العاجزين وأصحاب القدرات المحدودة هم وحدهم من يحاول الوصول إلى غاياته بطرق ملتوية أو يسعى للحفاظ عليها بطرق ملتوية، والضعفاء وحدهم هم من تهزهم المواقع ويقيسون أنفسهم تبعاً لهذه المناصب، لأن دواخلهم فارغة من كل قيمة للاحترام الذاتي، ويشعرون بالضياع الدائم.. ولذلك علينا أن نأخذ بأيديهم.

(3)
٭ روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال قيل لرسول الله صل الله عليه وسلم: أي الناس أفضل قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا صدوق اللسان نعرفه فما هو مخموم القلب؟ قال: هو النقي التقي، لا إثم فيه ولا بغض ولا حسد، فصفاء السريرة وطمأنينة النفس والطهر واليقين من سمات القلوب المليئة بالإيمان، وكان صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن نقل الأقوال والأحاديث التي توغر القلوب وفي الحديث (لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج اليكم وأنا سليم الصدر).
٭ إننا في مجمل القول بشر، تعترينا حالات الضعف وتغرينا الحياة وضواغط الظروف، ولا بد أن نحصن بعضنا بعضاً بالإنصراف عن هذه المظاهر من المكر والإساءة والتجريح، وإيصاد الأبواب أمام أهل هذا المرض حتى لا يوغروا القلوب وللأخذ بأيديهم وامتصاص غيظهم قبل أن تأكلهم حسرات قلوبهم وحقدهم.. وإبعادهم عن مظاهر التوظيف والرأي  فهم لا يزيدوننا إلا خبالاً.
٭ ونختم بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم اني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم.. واستغفرك لما تعلم).
اللهم أحفظ بلادنا من مرضى القلوب والغيظ الدفين.