اتفاقية الميرغني – قرنق (1)

482في السادس من نوفمبر عام 8891م أبرم السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي اتفاق سلام وحل نهائي للحرب الاهلية في جنوب السودان مع قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتور «جون قرنق» في أديس أبابا ولقد خرجت الجماهير لاستقبال «الميرغني» في مطار الخرطوم فرحة ومهللة برجل السلام في كرنڤالات وهي تحمل أغصان الأشجار الخضراء واللافتات المعبرة عن ذلك الانجاز العظيم الذي تجسدت فيه الروح الوطنية والتلاحم الشعبي ما بين الجنوبيين والشماليين الذين خرجوا جميعاً في كل شوارع الخرطوم وفي كل اقاليم السودان فرحين بذلك الانجاز الكبير الذي انتظروه طويلاً ومن قبل ان ينال السودان استقلاله حيث ظل التمرد في جنوب السودان يشكل عقبة كبرى امام التنمية والاستقرار السياسي وظلت كل الحكومات المتعاقبة تسقط بسبب استمرار الحرب والاخفاق في تحقيق السلام المستدام، الى ان جاء الميرغني بعبقريته وذكائه ووطنيته ليخترق دهاليز التمرد ومنابر المجتمع الدولي ومنظماته ليصنع سلاما مفاجئاً ، وجد التأييد من جماهير الشعب السوداني باختلاف اتجاهاتها السياسية، كما اتى التأييد الاقليمي والدولي ليضفي الشرعية على بنود الاتفاق في الدولة السودانية الديمقراطية الموحدة، ويشيد بالدبلوماسية الشعبية التي انتهجها «الميرغني» وصولاً الى ذلك الانجاز الكبير، في وقت لم يكن فيه «الميرغني» رئيسا للوزراء او رئيسا للجمهورية ، فقط هو زعيم اكبر حزب في السودان ويحظى شخصه بالاحترام والتقدير من كافة دول العالم وعلى وجه الخصوص القيادات السياسية في كل الدول العربية والافريقية، وهو نفس الرجل الذي حرر الكرمك وقيسان من قوات الحركة الشعبية والحق بهم الهزيمة بعد ان اتى بالسلاح من اشقائه العرب، وتلك «الراجمات» التي دمرت دبابات المتمردين، وبسببها تحقق الانتصار الذي فتح الطريق امام «الميرغني» لاجراء حوار مع الحركة الشعبية تمخض عنه سلام دائم في دولة الوطن الواحد، مما زاد من شعبية السيد محمد عثمان الميرغني الذي اصبح رمزاً للسلام في بلادنا ، ولقد كانت بنود الاتفاقية ايجابية ومقبولة لطرفي النزاع بدون ادنى تحفظات او اعتراض على اي بند من بنودها دون ان يكون هناك استفتاء لشعب جنوب السودان حول الوحدة او الانفصال، ودون الاشارة الى حق تقرير المصير الذي اصبح نقطة فاصلة في كل الاتفاقات التي اتت بعد ذلك، والمعروف ان حق تقرير المصير قد ورد لاول مرة في لقاء الدكتور علي الحاج القيادي في الجبهة القومية الاسلامية حينما التقى الدكتور لام أكول في فرانكفورت في بداية تسعينيات القرن الماضي ثم وقع عليها مبارك الفاضل المهدي في «شقدوم» عام 4991م الى ان اصبحت شرطاً ملزماً للتجمع الوطني الديمقراطي في مؤتمر القضايا المصيرية، الا ان السيد محمد عثمان الميرغني قدم الوحدة على الانفصال باعتباره شرطا جزائيا في حالة عدم التزام التجمع الوطني بتنفيذ كل بنود مؤتمر القضايا المصيرية. وعموماً يظل الميرغني رجل سلام لا يشق له غبار مهموم بقضايا الوطن وصاحب مبادرات للتفاوض السلمي لحل كل القضايا العالقة يتمسك بمنهج الحوار كوسيلة وحيدة لجمع الكلمة ووحدة الصف نحو بناء الدولة السودانية الديمقراطية الحديثة القائمة على المواطنة كأساس دون أدنى تفرقة دينية أو ثقافية أو عرقية.