أحزاب وأموال (3)

423(1)
نزمع ان نشرع من خلال هذه الحلقة، والتي تليها، من سلسلتنا هذه عن الاحزاب السياسية السودانية وقضايا التمويل، بأمر الله، في معالجة أموال أحبابنا من عيال ماركس، فرسان الحزب الشيوعي السوداني، فنبحث ونتقصي في امرها مصادر ومصارف، فنفحصها فحصاً، ونعدّها عداً، جنيهاً سودانياً وروبلاً روسياً.
(2)
غير أنني وددت قبل أن أهبط الى سهول المراكسة ووديانهم، التي عرفت الخصب والجدب، خلال تاريخ طويل خبرته سوح السياسة السودانية منذ النصف الاول من القرن المنصرم، أن أشير الى رسائل اخرى، أخذ علىّ فيها أصحابها أنني تقاعست في حلقتي السابقة عن فحص أطنان التقارير الاستخبارية الدولية، التي ضجت بها قراطيس الأرض وأسافير السماء خلال السنوات القلائل الماضيات، عندما أماطت بعض الدول الغربية اللثام عن مكنونات بعض وثائقها السرية، التي أباحت القوانين فض أختام الشمع الأحمر عنها، وعرضها للسابلة بعد مرور حقب زمنية معينة عليها.
كتب أحد أشياخي الأفاضل من الخرطوم محتجاً: (أمر التمويل به أسرار ضخام تشى دون مواربة عن حقيقة اللعبة السياسية عندنا، وهي حقيقة تختلف تماماً او تكاد عن ما ندرك او يراد لنا أن ندرك. هل يعقل انك لم تقرأ التقرير الاستخباري للملحق التجاري البريطاني بالخرطوم ، فيليب ادامز  يتحدث عن لقاء بالوزير الاتحادي إبراهيم المفتى لترتيب تمويل بريطانى لمقابلة طرد الازهرى لمحمد نورالدين ومؤيديه، ومايمكن ان يجر ذلك من عقابيل التمويل المصرى لهم لإقامة حزب منافس؟ ورغم ان الملحق عبّر عن التمنع الانجليزى إلا ان الخطوة عينها مستغربة من بذرة حكومة وطنية).
وفي رسالة أخرى طالعتني هذه الكلمات من قارئ يسألني: (هل قرأت التقارير المنشورة في صورتها الاصلية في كتاب الصحافي المصري الراحل الاستاذ محسن محمد: (الانفصال بالوثائق السرية البريطانية) الصادر عن دار الشروق عام 1994؟ وقد جاء في إحداها ان إثنين من خلفاء الختمية عبّرا بأريحية كاملة عن غبطتهما لتلقي الطائفة أموالاً من مصر، دون ان يُطلب منها تقديم مقابل! وبحسب الوثائق فقد قدمت الحكومة المصرية ضمن تلك المنح  قصراً بالقاهرة وقصراً آخر بالاسكندرية للسيد على الميرغني).
وهذا قارئ كريم ثالث يلفت انتباهي: (في رسالة الدكتور جعفر محمد على بخيت المنشورة عن الادارة البريطانية في السودان إشارة لتقرير للمخابرات البريطانية ورد فيه أن الحكومة البريطانية كانت تدفع ما يربو على أربعة آلاف جنيه استرليني سنوياً للسيد عبد الرحمن المهدي، وغير ذلك كثير مما تحفل به أضابير المخابرات. أردت فقط الاشارة الى أن الداء قديم ويعرف بغير اسمه في السياسة السودانية). ومثل هذه الرسائل في حاسوبي كثر. وأنا أعتذر لهؤلاء الأفاضل بأنني في واقع الأمر لم أزعم نهوضاً الى مبحث شاملٍ كامل في أمر الصلات المالية لأحزابنا الوطنية بالعناصر الاجنبية، فهذا شغلٌ جليل، ربما قام اليه فارسٌ نبيل، ذو بالٍ طويل، من الباحثين الأكاديميين أهل الهمم العالية. أما أنا فلا أملك إلا أن أشكو المحبوب ، فهو الذي وحّلني في طريق المزالق، وعمّدني في سلك المهالك هذا. وماذا كنت أرجو من كوز انقلابي، قضى ثلثي عمره في التتلمذ على الشيخ الترابي؟!
(3)
بالرغم من أن الايديولوجية الماركسية التي هي لب الفكرة الشيوعية مستوردة كلياً من الخارج، فإن ذلك لا يمنعنا من أن نزعم – برغم التناقض الذي قد يبدو للعيان – أن الحزب الشيوعي السوداني يمتاز بخصيصة متفردة، وهي ان الأثر الخارجي في تكوينه وتمويله وتسييره يقل نسبياً عن غيره من الاحزاب السودانية. أنظر – يا رعاك الله – كيف وُلد الحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي يوصف بأنه حزب الحركة الوطنية، على يد قابلة مصرية، كما أن المؤسسة الحاضنة والراعية له تاريخياً، ونعني كيان الختمية، ترعرت بدورها في كنف الخديوية. وكيف أن حزب الأمة جاء الى الحياة، يحمل راية الاستقلال، محمولاً على ظهر السكرتير الاداري البريطاني دوغلاس نيوبولد. وكل ذلك تاريخ مكتوب. ولكننا نرسم خطاً سميكاً تحت كلمتي (يقل نسبياً)، فمما لا شك فيه أن الشيوعيين السودانيين نالوا نصيباً ما، قلّ او كثر، من عدس موسكو وفومها وبصلها، عهد كان لموسكو عدسٌ وفومٌ وبصل.
وأنا لا أقيم وزناً لما حملته الوثائق الامريكية التى رفع عنها الحظر قبل سنوات قليلات، عن أن تمويل الحزب الشيوعي خلال خمسينات القرن المنصرم كان يتم عن طريق توكيل حصل عليه الحزب، تحت غطاء نشاط بعض منسوبيه من التجار، لبيع سلعة تجارية معينة وهي (كبريت أبومفتاح) الذي كانت تنتجه وتصدره للسودان دولة تشيكوسلوفاكيا. إذ ان الرواية الامريكية تحيط بها العلل القادحة من أى جانب أتيتها. يكفي ان مصدرها هو الاميرالاي عبد الله خليل المعروف بغرضه وعدائه للشيوعية والشيوعيين.

(4)
بيد أنني وجدت نفسي أقف متأملاً لبعض الوقت أمام التحقيق الاستقصائي الذي عرضته قناة الجزيرة قبل سنوات قلائل حول الأحزاب الشيوعية العربية وعلاقتها بالاتحاد السوفيتي، والذي استعان منتجوه لإنجازه ببعض الوثائق السرية السوفيتية التي وجدت طريقها الى العلن بعد سقوط نظام السوفيت.
وبرغم أن ذلك التحقيق أثبت أن شيوعيي سوريا ومصر كانوا أذكى واكثر من حلب البقرة السوفيتية وشرب لبنها مقارنة بغيرهم، فقد طفا الى السطح من الوثائق ما كشف حقيقة ان قيادة الحزب الشيوعي في السودان تلقت بالفعل أموالاً من موسكو، وان كانت الأرقام زهيدة ومتواضعة للغاية. وأعجب لقومٍ تبلبلوا ولم يعوموا. مع أن الحكمة الشعبية تقول: «من تبلبل عام».
والواقع ان الحديث في ذلك التحقيق الاستقصائي انحصر حول وثيقة مالية واحدة فقط  من جملة المحفوظات التي فتحت خزائنها، وقد وردت الاشارة تخصيصاً الى مبلغ ستة الاف من الدولارات الامريكية خصصها السوفيت للحزب الشيوعي السوداني. وقد أفادني قيادي شيوعي استفسرته عن ذلك المبلغ أنه ربما كان عبارة عن مساعدة مالية لعلاج أحد الكوادر.
وهناك وثائق اخرى جرى كشفها، ولكن لم تكن لها علاقة لها بالمال. يُستفاد من احداها أن الحزب الشيوعي السوداني طلب من موسكو مده بمسدسات (جمع مسدس) بمواصفات خاصة. وتشير وثيقة أخرى الى أن الحزب أوصى الحكومة السوفيتية بدعم الشيخ على عبد الرحمن رئيس حزب الشعب الديمقراطي، والذي اشتهر بلقب (الشيخ الأحمر).
(5)
وبينما توفرت الأدلة الموثقة على أن الأحزاب الشيوعية في الدول النامية مدت يدها لتتسلم ملايين الدولارات من موسكو، فالثابت ان الثقافة التي سادت عند الآباء المؤسسين للحزب السوداني استنكفت عن تلقى الأموال من الغير. وقد كان للقيادي التاريخي عبد الخالق محجوب القدح المعلي في ترسيخ تلك الثقافة.
وقد قيل إن الرجل كان يري في قبول العطايا المالية مرادفاً ومدخلاً لقبول النفوذ والوصاية الاجنبية على توجهات الحزب. ولم يكن ذلك ليليق بشخصية ذات نزعة استقلالية، شديدة الاعتزاز بالخصوصية السودانية مثله. وذلك ما ثبته بكلمات قوية رئيس الوزراء الراحل محمد احمد محجوب في كتابه (الديمقراطية في الميزان)، حيث أمّن على نزعة عبد الخالق الاستقلالية كشيوعي سوداني، وأنه كان يرفض تلقي الأوامر – وبالتالي الأموال – من موسكو. وأضاف المحجوب ان عبد الخالق كان شديد الأصالة، وأنه طوع الماركسية للواقع الوطني، فضلاً عن عنايته الشديدة بالتوفيق بين الماركسية والاسلام.
(نواصل)