ذكرى معركة (أم دبيكرات)… سجل ياتاريخ

untitled-1-copyقراءة: نفيسة محمد الحسن
تطل علينا الذكرى ال(17) بعد المائة لمعركة ام دبيكرات اليوم..في الرابع والعشرين من نوفمبر 1899م… تذكيراً للأجيال الحاضرة بتاريخهم المجيد وايقاظاً للشعور الوطني والديني بما قدمه الاجداد من تضحية وفداء في الدفاع عن الوطن وعقيدته …بأعظم مواقف البطولة والاستشهاد بالرغم من ان بعض ابطال ام دبيكرات طوتهم صفحات النسيان بين اوراقها…. لان مدوني التاريخ غفلوا عن ادوارهم البطولية…بالرغم انها مثلت (لوحة) خالدة ستظل في وجدان الشعب لانها اظهرت معدنه النفيس وصلابته ورفضة للظلم والهوان … في تسابق لنيل الشهادة وكما فعلوا في كرري فاستشهدوا ولم ينل الرصاص من ظهورهم … تلك ملاحظات سجلها المستعمر في مذكرات قادته… فالصور تبين كيف انهم استقبلوا الرصاص المنهمر بصدورهم مقبلين غير مدبرين… كانت المعركة هي الموقف العسكري الأخير للدولة المهدية وقد شهدها كبار أمراء المهدية.
تفاصيل الحدث
وبالرجوع الى تفاصيل معركة أم دبيكرات في يوم الجمعة 24 نوفمبر 1899، كان الخليفة عبد الله رأس الدولة بعد انهزام الجيوش في كرري قرر الانسحاب غرباً إلى حيث ولدت الدولة الإسلامية (الدولة المهدية) في قدير جنوب كردفان …خاصة بعد أن أغلقت دارفور في وجهه وكذلك الشرق، وقد انسحب خليفة المهدي بصحبة بعض العوائل على إقدامهم.. وقد كانت هنالك مجموعة أخرى انسحبت بقيادة الخليفة شريف مع بقية الأسر حتى استقرت في الشكابة حيث كان من أمرها ما كان.. سار خليفة المهدي ومن معه واستطاعوا أن يصدوا كل محاولات العدو لتعويق مسيرتهم … وحاولوا ذلك ثلاث مرات: المرة الأولى لدى عبور المجموعة لخور أبوعنجة، والثانية محاولة ملاحقتها بقوة بقيادة عبد العظيم بك وهي في منطقة النيل الأبيض، والثالثة محاولة القضاء عليها بقوة يقودها كتشنر وهي في كردفان …فارتدت منسحبة مما شاهدته من منظر رهيب في معسكر الأنصار لم تكن تتوقعه…
مواجهة المؤامرات
واجهت قوة الأنصار كل الصعوبات وقضت على كل المؤامرات وقد انضم إليها الأمير الختيم موسى من الأبيض، وأمر الخليفة القوات الأخرى بالانضمام إليه لا سيما الأمير أحمد فضيل قائد منطقة القضارف.. هذا الأمير المجاهد واجه عقبات كبيرة في طريق انضمامه إلى جيش الخليفة ولكنه تغلب عليها جميعًا وانضم للجيش في نوفمبر 1898م… بعد ذلك اتجه الخليفة إلى جبال قدير وأقام هنالك نحو حول من الزمان، وعاش جيشه في ظروف صعبة للغاية وفي النهاية قرر الخليفة أن يعود إلى أم درمان لمنازلة الغزاة، وأرسل قوة بقيادة أحمد فضيل لتأتي للجيش بالمؤن في رحلته للبقعة… وصلت هذه الأخبار للغزاة فقرروا مواجهة الخليفة وجيشه قبل وصوله أم درمان وأرسلوا قوة بقيادة رجلاند ونجيت فاتجه غربًا إلى أن وجد جيش الخليفة معسكرًا في أم دبيكرات، وقطع على قوة أحمد فضيل الطريق ونهب مؤنها، ثم كان اللقاء المحتوم مع جيش الخليفة في أم دبيكرات… وفي فجر يوم 24/11/1899م اشتبكت النيران التي كررت مرة أخرى مواجهة قوة لا قبل للمدافعين بها من حيث القدرة النارية… وعندما أدركت القيادة وهي مع جندها في الميدان أن النصر المادي سيكون للعدو قررت أن تسلبه النصر المعنوي بالاستماتة وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الخليفة عبد الله في معركة أم دبيكرات… عندما شعر أن جيشه قد انهزم لم يفر ولم يهرب بل أخذ يصلي في فروته فجاءته رصاصة في ظهره.
الموت بشرف
فقال ونجت باشا (قائد الجيش الإنجليزي في المعركة) من الذي أطلق هذا الرصاص) فجاءه جندي وقال أنا، فما كان من ونجت باشا إلا أن نزع الأشرطة (العلامات) العسكرية الموجودة على كتف الجندي وقال: (ما هكذا يقتل العظماء)، وأخذ الكاب وألبسه للخليفة عبد الله ــ وأمر المدفعية بإطلاق (11) طلقة في السماء وحيا ونجت باشا الخليفة عبد الله التحية العسكرية وقال كلمته الشهيرة: (الآن الآن فقط قد مات أعظم وأنبل وأشجع الرجال)، وسئل ونجت بعد ذلك لماذا تكرم هذا الرجل وهو عدو لنا (يقصدون الخليفة عبد الله) فقال (لقد قاتَلَنا بشرف ومات بشرف) وكان ذلك حسن الختام مما أثار إعجاب الأعداء وجعلهم يؤدون التحية العسكرية عندما نزل جثمان الخليفة في قبره بأم دبيكرات ..ووقف الضابط أركان حرب (وندهام) مشدوها ومتسائلاً أمام الجنرال ونجت قائلاً أنؤدي التحية العسكرية لهذا الخصم اللدود؟؟ فأجابه (ونجت) (أنت لا تعرف يا فتى عظمة من دفنا ومهما كان رأينا في الخليفة ورجاله فإنهم ماتوا ميتة الأبطال)، وكان الشهداء في تلك المعركة هم (الخليفة عبد الله ـ الخليفة علي ود حلو ـ الأمير أحمد فضيل ـ الأمير الصديق بن المهدي ـ الأمير هارون بن السيد محمد ـ الأمير البشير عجب الضي ـ الأمير أبو جكة ـ الأمير النموري وغيرهم كثيرون..
ام دبيكرات في الإعلام الغربي
شغل الحدث الاعلام الغربي وتناولت صحيفة انجليزية مجريات الاحداث بعد نهاية معركة ام دبيكرات : « هناك كان الخليفة عبدالله مستلقيا علي الفروة وقد اخترق جبته الرصاص فصارت الجبة كالغربال..وسقط بجواره قائدان من اعظم قادته وهما الخليفة علي ودحلو والامير احمد فضيل وبجانب جثة الخليفة وجدنا نحو عشرة او اثني عشر رجلا من أمرائه المعروفين وأمامهم أمراء قوات الملازمين المخلصون حتي الموت … لقد كان الكلونيل ونجت يتأمل في ذلك المشهد الذي قد يكون مفزعا للبعض الا انه كان بحق يمثل مشهدا لمجموعة من الرجال الشجعان الذين لقوا حتفهم بنبلٍ وبسالة .. ثم تنقل الصحيفة أقوال احد الأمراء الأحياء الذين استجوبتهم القوات البريطانية عن اخر لحظات الخليفة وتذكر انه قال : ( عندما اشتدت وقائع المعركة نادي الخليفة عبدالله علي أمرائه وقال لهم .. لن أتراجع أبدا .. سأموت هنا .. وقابل الأمراء قراره بالموافقة التامة .. فلقي الأمراء مع قوات الملازمين حتفهم مع قائدهم ). ثم تختم الصحيفة الخبر بالخاتمة الآتية : « مهما كان من امر الخليفة عبدالله فلابد ان نعترف انه كان عدوا فائق الشجاعة… لقد كان مشهد مقتله وثباته البطولي باعثا علي نسيان كل ما نسب اليه من تجاوزات..
شهادة الأعداء
كان التصدي الجهادي والموقف الفدائي والإقدام مدهشاً للغزاة فما برحوا يبدون الدهشة والإعجاب…. حيث قال تشرشل الذي شهد كرري: ما هزمناهم ولكن حطمناهم بقوة السلاح… وأبدى ستيورات الذي شهد معارك الشرق إعجابه بأعدائه حتى قال: من نكد الدنيا على المرء أن يقاتل أمثال هؤلاء الشجعان… وقال المؤرخ العسكري البريطاني فيليب وارنر: ربما وجدنا في تاريخ الإنسانية من ماثلت شجاعتهم شجاعة الأنصار ولكن لن نجد شجاعة فاقتها.
التاريخ يشهد
الدروس الإنسانية عميقة ونحن في ذكرى معركة أم دبيكرات .. الهزيمة ليست في التدمير المادي ولكن في الاستسلام….فالذين قاوموا كتب عنهم التاريخ.. وسيظل يكتب كل عام في ذكراهم…. مواقف أبطال أم دبيكرات من رفض للاستسلام وتضحية في سبيل الدعوة كتبت للدعوة عمراً جديداً كما أن السلطة الاستعمارية التي غزت السودان وبعد أن قضت على جيوش المهدية في كرري وأم دبيكرات توهمت أنها قضت على المهدية تماماً كما قال كتشنر مقولته الشهيرة: (المهدي وراتب المهدي وخليفة المهدي قد دمرتهم ودفنتهم بحفرة عميقة فمن بحث عنهم سوف ألحقه بهم)… . قالها ومضى إلى سبيله وهو الذي غرق في بحر لجي لم يترك له أثراً بل جاءت الحقائق تدينه بعد موته على قسوته وتوحشه وعدم انضباطه عاراً على أهله ودولته…واصبحت أم دبيكرات مدرسة ورسالة وطنية خالدة في دواخل الشعب … لم يشهد مثلها التاريخ لأن رأس الدولة استشهد وسط جنوده ضارباً بذلك المثل والقيم..