جلسة مع هموم الطب النفسي

بيتيكلما شاهدت أحدهم في حالة يرثى لها أسأل من المسؤول عن هؤلاء الذين غشتهم سحابة (فن الجنون) وما هم بمجانين.. هم في حالات نفسية يمكن علاجها.. ويمكن أن يعودوا إلى حالتهم الطبيعية.
في اواخر عام 1987 زرت مستشفى التجاني الماحي بأم درمان لعمل صحافي ركزت فيه على المدمنين الذين الحقت بهم الخمر أضراراً معنوية وجسمانية وجعلتهم يتحدثون دون وعي.. كذلك زرت بعض النسوة اللائي تضررن من حياتهن الزوجية لأن الزوج رجل (أخرش) شايل العصا على طول ويا ضرب.
ثم في 1992 أجرت زميلتنا إنعام محمد الطيب تحقيقاً لمجلة عزة وكنت سكرتيراً للتحرير لها في إطار مطبوعات جريدة الانقاذ الوطني.. ذلك التحقيق عن نساء في مستشفى التجاني الماحي، وكان له أثر واضح بعد أن تم نشره.
وفي عام 2008 أجريت تحقيقا صحافيا عن مرضى الحالات النفسية في مستشفى التجاني الماحي لجريدة الرائد في إطار الملف الاجتماعي (بيتنا نور) وكان التركيز عن من هو المجنون؟؟
وأصاب الاختصاصيون النفسانيون بأن المجنون هو الذي فقد عقله تماماً ففقدان العقل يعني أن هذا الانسان لا يسأل عن ماذا فعل.. ولماذا وكيف وحال الدنيا.. فما أقوله ان الكثيرين لم يفقدوا عقولهم، ولكن المشكلة في الذين انتشروا في الشارع العام، وبعضهم دون ملابس تستر حالهم.. لذلك فإن المستشفيات النفسية والعصبية وجودها مهم للغاية وليس عيباً أن نهتم بمستشفى ونشيده ليرعى حالنا، واعترف بكشفي دورياً أنني زرت اختصاصيين نفسيين وكلهم اشاروا لسلامة حالتي النفسية ولا أعاني من الإكتئاب.
الحالات النفسية والعصبية لا تولد مع الشخص إنما تكتسب من خلال البيئة التي يعيش فيها الانسان.. وفي حالات الضغط فوق الطاقة المحتملة مثل الاوامر الاسرية التي تتكرر يومياً بل كل ساعة لكل طفل حتى يكبر فيحاول أن يبتعد وينزوي وبهذا يكون في حالة نفسية وعادة الابتعاد والرفض.. اضافة لمسائل المضايقات في الشارع العام أو مكان العمل أو الدراسة أو الحالات المادية القاسية التي تحدث صدمة تفقد الانسان حالته النفسية والعصبية.. وفي حال تكرار هذه الضغوط يشرد الانسان بعقله إلى خارج المجتمع الذي يعيش فيه مع اصدقائه وأقرانه وحتى أسرته.. ومن أهم وأكبر الضغوط التي يتأثر بها الفرد المعيشة ما بين الزوج وزوجته، ربما أقل حالة هى الصمت أو كثرة الشكوى وتكرارها.. والآن أكرر سؤالي من هو المسؤول عن حالات نفسية وفقدان العقل في الشارع العام؟.
اعتقد ان أول خطوة ان تتصدى الولاية أي ولاية لحصر والإمساك بحالات المرضى لتنظيف المشهد العام. سواء أن كانوا من المواطنين أو الاجانب وهم فيما يبدو أكثرية جاءوا من الغرب الافريقي.. وأشك أن طاقة مستشفى ام درمان (التجاني الماحي) له القدرة فوق ماهو يتحمل.. لذلك لابد من وجود منافذ لعلاج هؤلاء المرضى.. وكما قلت هم (مرضى) يجب أن تتم معالجتهم .. والأمر الأكبر أن تتحرك وزارة الصحة، للقيام بحملة بتوعية شاملة لبناء مستشفى للامراض العصبية والنفسية يبني بشكل عصري حديث ومواصفات ذلك معروفة.. و كما قال طبيب إن كثيراً من الحالات النفسية تعالج بالموسيقى الهادئة.
إذاً حتى لا نوصم بأننا نهمل الشارع وفيه من لهم أسباب اجتماعية أو اقتصادية أو تربوية ،عدد من المرضى رغم أنه قليل إلا انه أمر يحتاج إلى علاج جذري.. وتكتمل السعادة حين ترى أحدهم خرج من التجاني الماحي وهو يبتسم بعد ان تم علاجه من إدمان المخدرات أو الخمر أو علاجه من الوسواس القهري.. فكان أحدهم يشكي باستمرار بأن الشلة تحاول إيذاءه وضربه ويخشى من الشارع ووصل لدرجة أنه أضرب عن المدرسة إلا ان العلاج قاده إلى الطريق السليم.
نعم لابد من الاهتمام بالعيادة النفسية.. وليس عيباً أن تتعالج من أى هم يشكل لك بعباً فقد كان د. عمر الباقر صالح الشهير والاختصاصي في علم النفس والاعصاب والقلب، كان وكيلاً لوزارة الصحة يجرب كل المواقف التي توضح له سلبيات كل ما يؤدي للتوترات النفسية والعصبية وكتب بحوثاً نال بها شهادات عالمية ومنحه الرئيس جعفر نميري وساما رفيع على كتابه عن (أضرار الخمر) الذي قمت بتلخيصه وزميلتي انعام محمد الطيب قبل قوانين النميري في سبتمبر 1983 بوقف وإلغاء محلات الخمور وكتب فيها الصحافي الرقم هاشم كرار في جريدة الايام.. (الخرطوم تغتسل بماء المطر).. وللصدفة في ذلك اليوم هطلت امطار (نقناقه)..! وودعت الخرطوم مصائب الخمور إلا ما جرى خلف القانون..!
وليس أخيراً أقول لابد من الاهتمام بالطب النفسي والمعروف ان تكلفة العلاج النفسي كبيرة وتحتاج إلى تضافر أهل أي مريض ولا ننسى الدولة فمن الأهمية أن تجعل مرضى العقول والافئدة محل اهتمام خاص.. ومثلما اهتمت أنديتنا بالطبيب النفسي نريد ان تهتم مدارسنا بالعلاج النفسي خاصة في المرحلة الاساسية.. وكل المراحل لاحقاً.. حتى على مستوى الوحدات الصحية خاصة عند الحوامل اللائي يحتجن لطبيب نفسي لخوفهن من حالات الولادة وما يتردد عنها.
وفي النهاية لابد من أن تتحرك عواطفنا ونحن ننظر لمن كان مريضاً نفسياً فهو في حالة يحتاج لنا فيها.. فهو في النهاية إنسان مر بحالة لم يعالج منها.. وجاء الوقت ان نهتم بما بدأه أطباؤنا التجاني الماحي وطه بعشر وغيرهم.. فالطب النفسي هو نور القلب والعقل.
أنا لست مجنوناً
في العصور القديمة كان مجنون ليلي (قيس وليلي) و(عنتر وعبلة) وغيرهم من كتبوا شعراً وذرفوا الدموع حباً لمحبوباتهم حتى في اراضي بلدنا كثير من قصص الغرام التي خلدها المسرح وصورتها السينما.. وكانت (الدهابية) وكل ما يزيد من الحد يقولون ينقلب إلى الضد.. ولكن في حالات الحب المجنون تزداد شوقاً وألماً وفقدان المحبوب كما يردد المطرب عوض الجاك ( صحيح أنا مجنون وزاد في جنوني) والاستاذ محمد وردي (أنا مجنونك) وغير ذلك من الأغنيات الخالدة في السودان.
إذاً (أنا مجنون) عبارة عن حالة من الاشتياق المستمر ولو كان أهلنا كلهم أصبحوا مجانين بحبهم لانتهت كل مشاكلنا.. وعاش الناس في الحب.
نحن نريد ان نفضح أنفسنا بالحب العفيف نبتسم لكل الوجوه نبتعد عن الحالات التي تجعل وجهنا (مصرور) ومكرفس، انشروا السلام الاجتماعي بين الاسرة الواحدة لا غيرة ولا حسد.. ولا كره.. واجعلوا الحب قائماً بين الجيران والزوار والضيوف وأي عابر طريق كما غنى الموسيقار محمد الامين.
والجنون فنون وكلما كان الانسان (خمجان) في فنه زاد جنونه بمعنى تمسك بفنه وزاد في حبه.. وأروع ما شهدت أن يقول صحافي أنا مجنون صحافة.. ولكن الحب عطاء بلا حدود فأنا مجنون ولكن.. أتعجب!