الرقابة وين؟

436*ما يحدث من « تراشقات واتهامات واساءات متبادلة ودعوة للفتنة في الصحف الرياضية » يتطلب تدخل الجهات المعنية بحماية المجتمع، وهذه المهنة الرسالية والتي أصبحت في « مهب الريح » بعد أن تعدت بعض الأقلام الخطوط الحمراء وباتت تمارس الانفلات بطريقة جهرية دون أدني اعتبار لاحترام عقول الناس ولا لردود الأفعال والعواقب التي يمكن أن تترتب.
*لقد كانت الرقابة في السابق لها هيبة والكل يعمل لها ألف حساب وأي صحفي يراجع نفسه ألف مرة قبل أن يكتب الكلمة ، وكانت هناك مراجعة و كل رؤساء التحرير كانت لديهم السلطة والقوة التي تجعلهم يقومون بواجباتهم تجاه المادة المكتوبة « تأجيلا وتعديلا والغاء »، ومهما كان قدر الكاتب ونجوميته وتأثيره فهو لا يستطيع أن يكتب ما يشاء كما هو حادث الان – وقتها كان الحياء موجودا والاحترام متوفرا ، بل كان المبدأ والحد الفاصل أن لا يتجاوز أي صحفي أو كاتب حدود الذوق والأدب مهما كان وضعه أو نجوميته .
في ذاك الوقت كان لا مكان للعبارة غير اللائقة في الصحف وان تجرأ أحد وكتب فانه سيجد اللوم والعتاب والعقاب من داخل المؤسسة وخارجها ، ووقتها كان الوسط الرياضي معافى وصحيحا وليس كما هو الأن . كان التعصب له حدود بل كان اعلان الصحفي لانتمائه لنادٍ معين أشبه بالعيب وكان المبدأ الأساسي في مزاولة المهنة التحلي بالموضوعية والاتزان دون الجنوح أو التطرف، وحتي الذين كانوا يسمون بكتاب الأندية كان طرحهم موزونا ليس فيه استفزاز أو اساءة أو احتقار لنادٍ أو لشخص وكان الغزل في الأندية بريئا ونظيفا ومقبولا لخلوه من الاشارة للأنداد.
*الأن تبدل الوضع وانقلب رأسا علي عقب وأصبح الصحفي الرياضي الذي لا يسئ أو يشتم أو يستفز هو « عبيط ولا رأي له ولا قيمة ولا أثر » فقد « اختلط الحابل بالنابل واختلت الموازين وتلخبطت المفاهيم » وتحولت معظم صفحات الصحف الي مسرح تمارس فيه كل أشكال وألوان التجني علي الغير واستفزازهم والطعن في عروضهم وذممهم وأيضا أخلاقهم . لقد أصبح النقد اساءة وشتائم واستفزاز واتسعت المساحة وظهر معني جديد لحرية التعبير فحواه أن كل صاحب قلم له مطلق الحرية في أن يكتب ما شاء وله الحق في أن يستهدف ويترصد ويتهم تحت ستار حرية التعبير « المسكينة والمفترى عليها » ضاعت العقلانية وماتت الموضوعية وانعدم الحياء ولم يعد هناك من يخجل أو يستحي .
*الغريب في الأمر أن الرقابة في السابق كانت عادية وليست محكمة كما هو الأن حيث أن الحالية لها من القوة ما يجعلها قادرة علي ايقاف أي تفلت أو متفلت ولكنها كامنة وجامدة وغير مرئية وليست مفعلة، فرقابة اليوم اسميا قوية جدا وفعليا ضعيفة ولا فعالية لها ونقصد هنا الرقابة بكامل أنواعها ان كانت تلك التي تمارسها « الضمائر » أو التي داخل المؤسسة أو خارجها – المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية – والجهات السيادية الأخري – غير ذلك فلا يوجد قانون يحتوي علي العقوبة التي توازي حجم الجرم الصحفي وأقصي جزاء لايتعدي ايقاف الصحيفة ليوم أو اثنين أو لفت النظر وان جاءت قاسية فعندها تكون توبيخا ولأن العقوبات ضعيفة فمن الطبيعي أن ينشط هواة الشغب الصحفي ويستغلون الموقف ليمرروا أجندتهم ويمارسوا التصفية والتشهير.
*أي إنسان يرفض الحرية يحسب من المعتوهين ولكن لابد من وجود سقف لهذه الحرية حتي لا تتحول الي فوضى بالتالي تقود للفتنة وهذا ما سيؤدي الي ضياعها ومصادرتها هذا من جانب، ومن اخر فمن الضروري أن نعرف نحن كصحافيين رياضيين حقيقة هامة وهي أننا لا نملك القدسية التي تجعلنا فوق الحساب والعقاب مهما ارتكبنا من أخطاء في حق الأخرين صحيح نحن نملك حق توجيه النقد والارشاد والتوجيه ومن واجبنا تثقيف الاخرين وتمليكهم المعلومة الصحيحة و التبصير وكشف مواقع الخلل واجراء التحقيقات التي تعري المفسدين وطرح الأراء القوية القائمة علي أساس الخالية من الشوائب والأغراض ، وفي الوقت نفسه فنحن لا نملك الحق في أن نكتب ما شاء لنا تحت ستار حرية التعبير وعلينا أن نضع في حساباتنا أن هذه الحرية ليست ملكاً لنا وحدنا بل هي حق متاح لغيرنا أيضا.
*السؤال المهم هو ماهي الجهة التي تحدد سقف الحرية وما هو دور الجهات الرقابية تجاه مايحدث الان من تفلتات ودعوات للفتنة وتحريض علي العداء، وهل يمكن أن نعتبر ما يمارس الأن هو الوضع الصحيح والطبيعي والمطلوب، وهل يدخل في اطار حرية التعبير؟ . فهناك من يقول بالعامية « الأمر اذا فات حدو سينقلب الي ضدو » ونرجو أن لا تندلع الفتنة وتحل المصائب وتحدث الكوارث ووقتها علي الذين يلتزمون الصمت الان أن يقدموا أنفسهم ضمن المتهمين لأنهم شجعوا الانفلات ودعموا التحريض وساعدوا الذين صنعوا وسوقوا ونشروا العداء بين الناس وتستروا عليهم.
*ألا قد بلغت اللهم فأشهد .