المشروع الفكري للأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد «1»

26-11-2016-07-5د/ مجدي عزالدين حسن
يُعد الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، في نظر كثير من مؤرخي الفكر الإسلامي، أحد أهم المفكرين في النصف الثاني من القرن العشرين، الذين ساهموا في تطوير المداخل التأسيسية والمنهجية للفكر الإسلامي المعاصر، ومن الذين أثروا الساحة الفكرية العربية والإسلامية بكتب عديدة وبكتابات تميزت بطابعها النظري الخلاق. عالج مشروعه الفكري جملة من القضايا الشائكة، بروح نقدية تحليلية، وينطوي مشروعه على أفكار ومضامين تمتاز بالجدة خارج إطار ما هو متعارف عليه في الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً.
جاء مؤتمر«المشروع الفكري للأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد» الذي نظمه نادي الفلسفة السوداني يومي 26- 27 أكتوبر 2016م بفندق ريجنسي بالخرطوم، جاء في إطار الذكرى السنوية الثانية عشرة على رحيل حاج حمد «ت2004». وهي بادرة يشكر عليها نادي الفلسفة السوداني، والذي هدف من ورائها إلى تسليط الضوء على مساهمات المفكرين السودانيين، بادئاً هذا العام ب حاج حمد، ويأتي تالياً له الأستاذ محمود محمد طه كمحور لمؤتمر العام القادم.
أتناول، هنا، سلسلة من المقالات، تعكس بعض ما تم تداوله في جلسات المؤتمر من مداخلات ومناقشات حول المشروع الفكري ل حاج حمد عرضاً وتحليلاً ونقداً، والجدير بالملاحظة أن تعاطي الباحثين مع المنجز الفكري ل حاج حمد، لم يكن على مستوى واحد. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع المشروع الفكري ل حاج حمد، فإن القارئ المتفحص والمتأمل لكتابات حاج حمد، لا يستطيع أن ينكر مدى أهمية ما قدمه حاج حمد من إسهام مقدر، خاصةً في ظل الوضعية الفكرية والمنهجية المأزومة التي يرزح تحتها الفكر الإسلامي اليوم. وما يميز هذا المؤتمر أنه لم يقتصر على عرض وشرح أفكار حاج حمد، بل تجاوز ذلك إلى مستوى المقاربات النقدية لمشروعه الفكري. على ذلك، تناول الأساتذة والباحثون المشاركون في هذا المؤتمر، من داخل وخارج السودان، المشروع الفكري ل حاج حمد درساً وتحليلاً ونقداً. وتوزعت أوراقهم البحثية، وعددها ثلاثون ورقة بحثية، على ثماني جلسات، تناولت على التوالي، هذه المحاور:
1/ محمد أبو القاسم حاج حمد: السيرة والمشروع.
2/ قضايا التفكير المنهجي عند حاج حمد.
3/ مساهمة حاج حمد في الفكر الإسلامي: العالمية الإسلامية الثانية.
4/ الحداثة والدين عند محمد أبو القاسم حاج حمد.
5/ منهجية القرآن المعرفية وإسلامية المعرفة.
6/ التجديد عند حاج حمد.
7/ السودان في كتابات حاج حمد.
8/ دراسات مقارنة بين مشروع حاج حمد ومشاريع أخرى.
ضمت هذه المحاور الثمانية العديد من القضايا التي عالجها مقدمو الأوراق البحثية في تعاطيهم مع مشروع حاج حمد، مثل: الجمع بين القراءتين، الأزمة الفكرية في الواقع العربي المعاصر من منظور حاج حمد، المعرفي والأيديولوجي في مشروع حاج حمد، مفهوم الأزمة في فكر حاج حمد، المأزق الأصولي وأثره على الأمتين الإسلامية والعربية قراءة تحليلية لرؤية حاج حمد، ميتافيزيقا التأول الديني والابيستمولوجي عند حاج حمد، مفهوم الحاكمية، الدولة الحديثة عند حاج حمد، المأزق التاريخي للطبقة المثقفة في الحكم الرشيد في السودان، الأستاذان محمود طه وحاج حمد: قراءة في الأطروحات الفكرية في تقاربها وتباعدها.
بدأ المؤتمر بجلسة افتتاحية ترأسها الدكتور مجدي عزالدين حسن، وقدم فيها البروفيسور مصطفى عبده كلمة نادي الفلسفة السوداني، والتي أشار فيها إلى أن مؤتمر حاج حمد يأتي ضمن سلسلة من المؤتمرات السنوية التي ينوي نادي الفلسفة السوداني إقامتها سنوياً بهدف تسليط الضوء على مساهمات المفكرين السودانيين، وأعلن أن موضوع مؤتمر العام القادم سيكون عن مساهمة المفكر السوداني محمود محمد طه. وقدمت الأستاذ خديجة أبو القاسم حاج حمد كلمة أسرة الراحل حاج حمد تحدثت فيها عن تميز ونبوغ حاج حمد منذ نعومة أظافره. بعدها مباشرة، بدأت الجلسة الأولى للمؤتمر والتي ترأسها الدكتور خالد البحري «من تونس»، وتناول المتداخلون الأربعة « الدكتور سلوى عثمان، الأستاذ عبد المجيد عبد الله محمود، والبروفيسور دفع الله أحمد دفع الله، والدكتور بشير خليفي من الجزائر» فيها السيرة الذاتية والفكرية وملامح المشروع عند حاج حمد.
سأتناول هنا، بشكل خاص، ورقة الدكتور بشير خليفي من الجزائر، لأهميتها، والتي كانت بعنوان: « دونية التدبر في درء الدنيوية المتبصرة: قراءة في التصور الفكري لمحمد أبو القاسم حاج حمد»، والتي ركز فيها على إبراز تصور المفكر أبو القاسم حاج حمد لما أسماه الباحث ب «الدنيوية المتبصرة» التي تعلي من شأن الدنيا بوصفها الفضاء الرئيس للبناء الحضاري والتعايش المشترك كما يلح على ذلك حاج حمد في مؤلفاته، خصوصاً كتابه: « جدلية الغيب والإنسان والطبيعة: العالمية الإسلامية الثانية»، على ذلك اهتم الباحث هنا بإبراز مفهوم «الدنيوية المتبصرة» في كتابات حاج حمد، من جهة. ومن الجهة الأخرى، تبيان الكيفية التي انتقد بها حاج حمد الفهم الخاطئ المتمثل في درء الدنيوية المتبصرة، ومصادرة نزعتها، بجعلها نقيضاً للأخروية، وسبب ذلك كما بينت مداخلة الدكتور خليفي إنما يرجع إلى « دونية في التدبر»، ناتجة من جراء الاعتقاد في أحادية فكرية ترى في الزمن سمة الأبدية والسرمدية من حيث ارتباطه بالآخرة بوصفها دار الخلود، مما يعطي مبرر عدم الحاجة إلى الاهتمام والبحث في الزمني والدنيوي إلا بوصفه طريقاً للزمن الأبدي وجزءاً منه، الأمر الذي يفقده – ضمن إطار هذا الفهم- سبل الفاعلية والتأثير، بالنظر لجملة الصفات التي يؤسس لها هذا التصور لكل ما هو دنيوي، على اعتبار أن الدنيا الفانية دار ابتلاء ومتاع الغرور.
ضمن هذا السياق، كما يرصد بشير خليفي، يبلور المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد تصوره عن ضرورة الاهتمام البالغ ب«الدنيوية المتبصرة» بوصفها طريقا للتقدم والرقي، بما في ذلك اعتبارها طريقاً للأخروية، في إطار مقاربة تخاصصية ذات معنى تشاركي تعطي الأهمية البالغة للتكامل المعرفي والمنهجي بين العلوم، وخصوصاً بين العلوم الدينية والدنيوية، زيادة على درء الحدية لصالح وسطية تغتني بالعقل والتجربة ترى في الدنيا مزرعة للآخرة.
وهو في الوقت عينه يدرأ الاستغراق في الدنيوية بالشكل الذي يعبر عن الهوس المتجلي عبر إدراك الزمن في ضوء سيطرة الثقافة الاستهلاكية الناجمة عن إكراهات الاقتصاد ومخلفات العولمة، حيث يرتبط مفهوم الدنيوية بتحقيق التطلعات الفردية في معناها الضيق، فيصير كل ما هو خارج عن تحقيق هذه التطلعات هدراً وتبذيراً للوقت بما يؤثر سلباً على العلاقات الأسرية والإنسانية. ليكون البديل ضرورة التركيز على القيم والدعائم المادية والروحية المتجهة لمواساة الإنسان ومساعدته على تجاوز أزماته سواء في محليتها أو ضمن أطرها الإنسانية والكونية. انتهت مداخلة الدكتور خليفي بشير، والتي لاقت استحساناً من جانب الحضور. ومن جانبنا، وان كان لنا أن نقرأ الأستاذ حاج حمد، ونتأوله بشكل مغاير، فسنرى أن مفهوم «الدنيوية المتبصرة» لا يمكن تجذيره في تربة الفكر الإسلامي إلا بإحداث نقلة على مستوى طرائق التفكير الديني، من طرائق محور تفكيرها «الله» إلى طرائق في التفكير محورها «الإنسان». وبهذه النقلة يصبح الإنسان في مقابل عالمه، وفي مواجهة واقعه ومشكلاته وقضاياه. هنا إحلال لبراديغم المواجهة بديلاً لبراديغم الأسطرة الذي يكرس الهروب والاغتراب، أي هروب الإنسان من مواجهة مشاكله. وبهذا المعنى فإن «الدنيوية المتبصرة» تُعلي من شأن ثقافة الحياة « بالإعلاء من قيمة الحياة نفسها» على ثقافة الموت.
نواصل…