«جوبا» والتلويح بطرد التمرد .. هل ينسى سلفاكير «قطاع الشمال» ؟

selvaتقرير : متوكل أبوسن

وسط توقعات بانفراج محتمل في شكل العلاقة بين «جوبا» و«الخرطوم» ، كشف مسؤول رئاسي في حكومة جنوب السودان ـ فضل حجب اسمه ،«الجمعة» ، أن المجموعات المتمردة على «الخرطوم» قد وافقت على مغادرة أراضيها طواعية بعد إبرام اتفاق عدم الاعتداء بين الطرفين،وقال إن حكومته توصلت إلى اتفاق مع المتمردين السودانيين لوقف استخدام أراضي جنوب السودان كمنصة انطلاق لعملياتهم ضد حكومة الخرطوم.

«الخرطوم» وشلالات الشك
افادات المسؤول الجنوب سوداني التي اكد فيها توصلهم الي تفاهمات مع الحركات المتمردة،وموافقتهم الى عدم «استخدام جنوب السودان كمنطقة يشنون منها هجماتهم» ، ربما ستنظر اليها «الخرطوم» بعين الشك والارتياب بالرجوع الي سابقاتها من تصريحات مسؤولي حكومة جنوب السودان وتعهداتهم وعلى رأسهم رئيس حكومتها سلفاكير ميارديت وكان اخرها تأكيدات نائب رئيس حكومة جنوب السودان تعبان دينق ابان زيارته للخرطوم 21 أغسطس الماضي بطرد الحركات المتمردة غضون 21 يوما.
تصريحات مسؤولي جنوب السودان ظلت وعلى الدوام تتناقض بين انكارهم لايواء المتمردين على «الخرطوم» ودعمهم ، وعزمهم قطع صلتهم بهم رغبة في تطبيع علاقتهم بالخرطوم التي ظلت تردد ان «جوبا» والي الان لم تقطع علاقتها مع الحركات المتمردة عليها وعلى رأسها الحركة الشعبية قطاع الشمال والفرقة التاسعة والعاشرة التابعتين للجيش الشعبي.
ورغم تأكيدات المسؤول الجنوب سوداني قبول المتمردين مغادرة اراضي جنوب السودان ووقف استخدام أراضي جنوب السودان كمنصة انطلاق لعملياتهم ضد حكومة الخرطوم، الا انه لم يشر الى ان من بين بنود الاتفاق فك الارتباط بالفرقتين التاسعة والعاشرة.

المسؤول الجنوبي اكتفي قائلا :»لقد توصلنا الي تفاهم مع المليشيات المتمردة، وأنه سيكون محرجاً إذا ما قمنا بإتخاذ قرار من جانب واحد، لذلك طلبنا منهم أن يقولوا لنا أفضل طريقة للقيام بذلك، وقد وافقوا على أنهم لن يستخدموا جنوب السودان كمنطقة يشنون منها هجماتهم، والآن نتوقع منهم التعاون ومغادرة البلاد».
«جوبا» وحراك الاتفاق
ما اعلنه المسؤول الجنوب سوداني بدا واضحا انه ثمرة محادثات بين الحكومتين من جهة وجوبا وقادة المتمردين من جهة اخري ، امتدت لشهور بدأت عقب توقيع البلدين في الخامس من يونيو الماضي في اجتماع للجنة السياسية الأمنية المشتركة برئاسة وزيري دفاع البلدين بالخرطوم، على حزمة قرارات أمنية بينها إعادة انتشار الجيش في البلدين فورا على طول المنطقة المنزوعة السلاح وإقرار خطة لإيقاف دعم وإيواء المتمردين، وفتح المعابر على مرحلتين تمهيدا لتنفيذا لاتفاق التعاون الذي وقع بين البلدين سبتمبر 2012 بالعاصمة الاثيوبية «أديس أبابا» ويشمل تسع اتفاقيات تضم القضايا الخلافية المترتبة على انفصال الجنوب، باستثناء ترسيم الحدود، مثل قضايا النفط والأمن والمتمردين واتفاق «الحريات الأربع».
وزير دفاع جنوب السودان، كول مانيانغ جوك، نهاية اكتوبر الماضي اعلن أن حكومته أمرت جميع القوات المسلحة المعارضة للخرطوم بمغادرة أراضيها تماشيا مع اتفاق جارتها الشمالية ضد المتمردين.
وقال كول ان حكومته طلبت منهم إما مغادرة جنوب السودان والعودة إلى السودان، أو تسليم أسلحتهم والذهاب إلى مخيمات اللاجئين،وانه حال موافقتهم على الذهاب إلى مخيمات اللاجئين ستقوم حكومة جنوب السودان بجمع أسلحتهم وتسليمها للحكومة السودانية في الخرطوم.
البشير في أكتوبر الماضي كان قد امهل «جوبا» حتي نهاية العام الحالي لإنفاذ الاتفاقات الموقعة بين البلدين «وإلا سيتم قلب الصفحة».
27-11-2016-03-8وعلى هامش مشاركتهما في القمة الافريقية العربية « بمالابو» عقد الرئيسان عمر البشير وسلفا كير الأربعاء الماضي لقاء اتفقا فيه على الاتصال المباشر لإزالة كافة العقبات التي تواجه عمل اللجان أو أي خرق للاتفاقيات بين البلدين.
«تعبان» و«عقار» ..حالة عداء
مجريات الاحداث تشير الي ان ثمة انتقال في مربع العلاقة بين الدولتين ، وان توترا بائنا في شكل العلاقة بين الحركة الشعبية قطاع الشمال وحكومة جنوب السودان عطفا على موقف الاخيرة في سياق بحثها عن مصالحها التي، وبحسب مراقبين فان الخرطوم تمسك بمعظم خيوطها بما فيها فتح المعابر وانسياب السلع الاستهلاكية لاسيما وان الخرطوم تمثل مصدر مرور 172 سلعة ، وملف الحركات المسلحة المتمردة على «جوبا» والتي يقودها د. رياك مشار الذي بررت «الخرطوم» استقباله في الثالث والعشرين من اغسطس الماضي ،بانه لدواعي إنسانية بغرض الاستشفاء ومراجعة الاطباء لما اصابه بعيد مغادرته جنوب السودان عقب احداث القصر الاخيرة يوليو الماضي ،ليغادر بعدها عائدا الي جنوب افريقيا .
تقارير صحفية كشفت عن رفض «الخرطوم» مرة اخري دخول د. رياك مشار الي اراضيها الاسبوع الماضي ، ومضت القراءات الي ان الخطوة في سياق اثبات صدق النوايا وتعزيز الثقة للانتقال الي بقية الملفات العالقة بينها و«جوبا» بما فيها فك «الاخيرة » ارتباطها بحركات التمرد بوصفه الملف الاهم بالنسبة للخرطوم التي منعت «مشار» من دخول اراضيها.
«جوبا» ربما ارادت ان تبرهن على صدق توجهها في الانتقال الي مرحلة جديدة مع «الخرطوم»،بتأكيداتها المستمرة عزمها كف أذى الحركات المتمردة عن السودان على الاقل عدم القيام بأية هجمات عسكرية من اراضيها والتحفظ في مسألة فك الارتباط نهائيا بفرقتيها التاسة والعاشرة .
الاسبوع الماضي وجريا على ما سبق ، تناقلت تقارير صحفية عن موقع -نايلومبييا- الإخباري بجنوب السودان،نذر أزمة بين الحركة الشعبية قطاع الشمال وحكومة جنوب السودان ممثلة في النائب الاول للرئيس تعبان دينق ،اثر ملاسنات وقعت خلال اجتماع عقده « سلفاكير» مع كل من نائبه الاول ونائبه الثاني جيمس واني ايقا بمشاركة رئيس الحركة الشعبية «قطاع الشمال» مالك عقار رفض فيه الاخير مغادرة جنوب السودان.
27-11-2016-03-7«نايلومبييا» مضى الي ان سلفا كير اتصل بمالك عقار المقيم في فرنسا وطلب لقاءه في جوبا لبحث مصير «قطاع الشمال» السودان، وذكر ان الاجتماع افتتحه تعبان الذي كان قد تعهد خلال زيارته للخرطوم 21 اغسطس الماضي بطرد الحركات المتمردة خلال 21 يوما من مغادرته الخرطوم .
«تعبان» ،خير مالك عقار ومجموعته بين الانضمام الي الحوار الوطني الذي طرحه الرئيس عمر البشير او مغادرة اراضي جنوب السودان.
وبحسب الموقع الاخباري فان مالك عقار صدم من حديث تعبان دينق،و قال مخاطبا «سلفا كير» انه عندما اتصلت علي في باريس ذكرت ان هناك رسالة عاجلة ولم يخطر ببالي بان الرسالة سينقلها الي تعبان دينق قاي، ومن السخف ان يطلب من قطاع الشمال الاستسلام الي الخرطوم.
وعدد عقار في كلمته جهود أبناء جبال النوبة والنيل الازرق في دولة جنوب السودان ودورهم في الحركة الشعبية، وختم حديثه قائلا«لن نذهب الي اي مكان وان قطاع الشمال باقٍ في دولة جنوب السودان سواء وافقت او رفضت،واضاف موجها حديثه لـ«تعبان» عندما تصبح رئيساً لدولة جنوب السودان عندها يمكن ان تفعل ما تريد بالنسبة لقطاع الشمال لكن من الآن فصاعدا لا اريد منك ان تدعوني او تسألني».
قطاع الشمال و«جوبا»
ما سبق ربما يؤكد ان مياها كثيرة جرت تحت جسر العلاقة بين الحركة الشعبية قطاع الشمال وحكومة جنوب السودان، اقلها مغادرة المتمردين السودانيين لاراضي جنوب السودان او البقاء في معسكرات اللاجئين هناك وتسليم اسلحتهم لحكومة الجنوب .
سفير جنوب السودان بالخرطوم ميادن دوت أكد ان رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت خيّر الحركة الشعبية قطاع الشمال والمجموعات المتمردة بين المغادرة الي شمال حدود 1956 م ، او تسليم اسلحتهم والبقاء في معسكرات اللاجئين،رافضا اتهام حكومته باللجوء للمراوغة او التسويف ،مؤكدا جدية حكومته وان الامر بقناعة تامة لانفاذ اتفاق التعاون المشترك بين الطرفين ، مشيرا الي ان العمل جار في اطار تنفيذ توجيه الرئيس.
السفير في حديثه لـ «الصحافة» عبر عن تفاؤله بمستقبل واعد بين الدولتين ، مشيرا الي ان الدولتين ستتحركان سويا لاعفاء ديون السودان ،مؤكدا ان فتح المعابر وتبادل المصالح سيعزز الثقة بين الدولتين،وقال : هناك بشريات سارة للشعبين .
«سلفاكير» وانعدام الخيارات
المحلل السياسي ، استاذ العلاقات الدولية د. الرشيد محمد ابراهيم بدا واثقا في تغير موقف دولة جنوب السودان تجاه ملفاتها مع السودان ،مؤكدا ان الوضع السياسي في جنوب السودان يفرض على الرئيس سلفاكير التقدم في انفاذ اتفاق التعاون مع الخرطوم ،مشيرا الي ان جوبا بحاجة للايفاء بما عليها في الاتفاق ،وقال : ليس لديها خيارات كبيرة .
ومضى الرشيد الي ان «من حظ السودان» ان الحاجة الاسترتيجية لجنوب السودان له اكثر من حاجته لجنوب السودان ،وقال : هذه ترجح الكفة وتضع جوبا امام خيارات صعبة ،واتوقع جديتها من واقع المعطيات على الارض بفك الارتباط مع الحركة الشعبية قطاع الشمال ،واستطرد: استمرار الارتباط بين قطاع الشمال وجنوب السودان سيكلف الاخيرة تكلفة باهظة لا يقدر على سداد فاتورتها لان الامر متعلق بأمنه القومي ولذلك جنوب السودان في هذا التوقيت لا خيار امامه.
الرشيد قال : الوضع الراهن في كل المناحي لا يتيح مجالا امام «سلفاكير» للمراوغة ، تردي في الاوضاع ،ضغط دولي وعقوبات وقوات دولية كل هذا يفرض على «سلفاكير» التعامل بقدر من الجدية ،واضاف : فرص المراوغة تكاد تكون معدومة .
ومضى الرشيد الي انه بالنسبة للحركة الشعبية قطاع الشمال فانها ستسعى للضغط للحيلولة دون فك ارتباطها مع جنوب السودان ،لكنه عاد واشار الي انه ليس لديها ما تضغط به جنوب السودان للحيلولة دون ذلك ، مشيرا الي ان قطاع الشمال في طبيعة علاقته مع جنوب السودان كان يستخدم اكثر من كونه مستفيدا من علاقته مع «جوبا»،وقال : هي فرصة امام السودان لتمرير كل أجندته.
في المقابل ،فان الخرطوم تنتظر تنفيذ حكومة جنوب السودان لوعودها وتعهداتها المستمرة بطرد الحركات المسلحة.