وامعتصماه

مسارات

مسارات

والقصة معروفة وان كان تناولها البعض بعدة روايات وتقول إحدى تلك الروايات أن رجلا قدم للمعتصم ناقلا له حادثة شاهدها قائلا: يا أمير المؤمنين، كنت في عمورية، فرأيت امرأة عربية في السوق مهيبة جليلة تسحل إلى السجن فصاحت في لهفة وامعتصماه ،وامعتصماه
فأرسل المعتصم رسالة إلى أمير عمورية قائلا له: من أمير المؤمنين إلى كلب الروم أخرج المرأة من السجن وإلا أتيتك بجيش بدايته عندك ونهايته عندي
فلم يستجب الأمير الرومي وانطلق المعتصم بجيشه ليستعد لمحاصرة عمورية فمضى إليها، فلما استعصت عليه قال: اجعلوا النار في المجانيق وارموا الحصون رميا متتابعا ففعلوا، فاستسلمت ودخل المعتصم عمورية فبحث عن المرأة فلما حضرت قال لها: هل أجابك المعتصم قالت نعم.
فلما استقدم الرجل قالت له: هذا هو المعتصم قد جاء وأخزاك قال: قولي فيه قولك. قالت: أعز الله ملك أمير المؤمنين بحسبي من المجد أنك ثأرت لي. بحسبي من الفخر أنك انتصرت فهل يأذن لي أمير المؤمنين في أن أعفو عنه وأدع مالي له. فأعجب المعتصم بمقالها وقال لها: لأنت جديرة حقا بأن حاربت الروم ثأرًا لك. ولتعلم الروم أننا نعفو حينما نقدر.
ويذكر بعض الرواة أن امرأة ممن وقعت في أسر الروم قالت: وامعتصماه، فنُقل إليه ذلك الحديث، وفي يده قَدَح يريد أن يشرب ما فيه، فوضعه، ونادى بالاستعداد للحرب.
والقصة هذه تحمل نفس الصرخة الوطنية التي يطلقها السودان بذات القوة ان كانوا داخل السودان او خارجه وللاوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق ، وصرخة امرأة عمورية التي حرك من اجلها الجيش من اجل تحريرها هي ذات الصرخة التي يطلقها الوطن الأم السودان الى بنيه لكي يتحرر من كل تلك القيود التي تكبل انطلاقته ،فالسودان يطلق صرخته الى ابنائه في الخارج من اجل دعم الوطن من خلال تحويلات المغتربين التي تشكل واحدة من أهم الموارد في كثير من الدول مثل لبنان ومصر وغيرهما من الدول التي تعتمد على تحويلات المغتربين التي تشكل واحدة من أهم الموارد في تحريك بعض المشروعات وتقديم بعض الخدمات مثل استيراد الدواء والذي شكلت اسعاره الان واحدة من اهم التحديات التي تواجه المواطن ، وتشكل شريحة المغتربين واحدة من الفئات التي يمكن ان تشكل داعما اساسيا في دعم الموارد خاصة من النقد الاجنبي .
وان كانت شريحة المغتربين تمثل واحدة من أهم الموارد في توفير النقد الاجنبي ،فان الصرخة الثانية التي يطلقها الوطن الى قطاع مهم وهو قطاع المصدرين والذي يشكل واحدا من أهم الموارد للنقد الاجنبي والذي يمثل الان المعضلة الحقيقية التي تواجه البلد والتي ساهمت فيها بشكل كبير ذهاب موارد النفط بعد انفصال الجنوب ، وتصدير المنتجات السودانية الى الاسواق العالمية وهي مرغوبة بالدرجة الاولى لجودتها ولطبيعة الارض التي تنتجها والمياه التي ترويها ، والمنتجات الزراعية السودانية هي الان مطلوبة في الاسواق العالمية في اوربا واسيا وامريكا مثل صادرات الحبوب الزيتية مثل السمسم والفول السوداني وزهرة عباد الشمس وغيرها من الصادرات الزراعية وصادرات الثروة الحيوانية كل هذه تمثل واحدة من اهم موارد النقد الاجنبي .
ومن اهم موارد النقد الاجنبي هي السياحة والسودان غني بالمواقع السياحية ان كانت تاريخية مثل البجراوية والبركل او ان كانت محميات طبيعية مثل الدندر او سياحة طبيعية مثل جبل مرة او البحر الاحمر ، وفي كل ولاية من ولايات السودان تجد عددا من المواقع السياحية ، والسياحة اليوم تمثل موردا اساسيا للنقد الاجنبي لكثير من الدول مثل مصر وتركيا وتونس وغيرها . فيجب ان تنشط بالقدر الذي يستفاد من تك الموارد السياحية التي لاتتوفر في كثير من البلدان.
وصرخة الوطن (وامعتصماه ) موجهة بالدرجة الى مواطنه ان كان داخل السودان او خارجه من اجل ان يلتئم جرح الوطن النازف بسبب تلك الحركات المتمردة التي تساهم بشكل كبير في تعطيل مسيرة التنمية وكان من الافضل لها ان توجه منسوبيها الى خدمة الوطن وتحكيم صوت العقل والاسهام في تحرير البلد من تلك القيود الاقتصادية ، مثلما فعل المعتصم الذي حرك الجيوش من اجل تحرير تلك المرأة من قبضة الروم ،واصبحت تلك الواقعة مخلدة في التاريخ .
والسودان كغيره مثل بعض الدول يعاني من عقوبات اقتصادية ومشاكل داخلية ساهمت بشكل كبير في تعقيد الموقف الاقتصادي ،والسودان في حاجة الى تضافر جهود ابنائه من اجل الخروج الامن من تلك المطبات الدولية التي تريد ان يظل السودان مكبا على وجهه ولاتريد ان يسير في الطريق المستقيم لتحقيق الرفاهية .
والدعوة التي انتشرت من اجل تنفيذ اعتصام او عصيان مدني ، هي دعوة لاتتوافق وطبيعة أهل السودان ، بتعطيل مصالح الوطن والمواطن ، من أجل تحقيق مكسب سياسي يكون ضرره أكثر من نفعه ، والشعب السوداني برهن بالامس ان هذه الدعوة بالاعتصام او العصيان المدني ليس هي الحل ،وان هذه الدعوة لم تجد الاستجابة ، بل كانت محرضة للعمل أكثر من اي وقت مضى ، والاعتصام الذي ندعوا له هو الاعتصام بحبل الله والذي يدعو الى احسان واتقان العمل وعدم تعطيل مصالح الناس ايا كانت صغيرة ام كبيرة لاسباب سياسية لان هذا الامر ينتفي مع طبيعة اهل السودان ، وعلينا ان نلبي صرخة الوطن السودان وان يكون اي فرد فيه هو ( المعتصم) من اجل تحريره من القيود الاقتصادية وبالانتاج الذي يساهم بصورة كبيرة في رفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية على السودان ، ونلبي نداء الوطن وحمايته من كل خطر يتهدده بسبب المطامع الدولية في موارده التي تمثل واحدة من الاهداف التي يسعى لها الاعداء وهم يعلمون ان ذات هذه الموارد هي المخرج الحقيقي للسودان من كل أزماته الاقتصادية .
والدرس الذي وجهه الشعب السوداني أمس الى دعاة العصيان والاعتصام وتعطيل مصالح الناس يجب ان يكون دفعة جديدة وقوية للرد بالانتاج والاستجابة لصرخة الوطن لبنيه (وامعتصماه) من اجل تحريره من كل القيود التي تعوق مسيرة الانطلاق.