بعيداً عن الانطباعية.. حرائق إسرائيل محل ارتياح

سيف الدين البشير

سيف الدين البشير

موضوعيٌّ جداً أن تغمر الأمة أمواج الارتياح والنار تلتهم بيوتاً بنيت على أشلاء وجماجم أطفال فلسطين. وكون إسرائيل ما تزال عدواً للأمة العربية وفي حالة حربٍ معها فالأمر ليس بحاجةٍ للتبرير فيما يظل أطفالنا يرددون في طوابير الصباح المدرسية:
فديتك هل نسيت القدس والسحر الذي فيها..
وجيلنا ولاحق الأجيال ما تمل تستزيد من صوت فيروز وأنفاسها تتدافع بين شهيق وزفيرٍ حتى يكاد قلبها يغادر صدرها وهي تردد:
لأجل أطفال بلا منازل
لأجل من دافع واستشهد في المداخل
واستشهد السلام في وطن السلام
وسقط العدل على المداخل
حين هوت مدينة القدس
تراجع الحبّ وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب..
بيد أن الارتياح لهلاك العدو ودماره حتى من الكوارث الطبيعية ليس محض دفق عاطفي، ولا هو تعبيرٌ عن العجزٍ، بل هو نعمةٌ تستوجب الحمد. ولنا في سورة الأحزاب مرجعية والله يخاطب المؤمنين بأن الريح التي ضعضعت أعداءهم خلال غزوة الأحزاب هي نعمةٌ منه سبحانه وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) (الأحزاب).
وطبيعي أن النعم تستدعي الحمد والعرفان والارتياح. وفي قصص القرآن مزيدٌ من العبر أن الكوارث الطبيعية تحل وبالاً على الظالمين، وهي وإن حلت على المؤمنين قد تكون ابتلاءً يثاب عليه من ابتلي به، وقد تكون تذكرةً حتى يرجع المؤمن لطريق ربه .
وللذين لا يأبهون لعبر الدين نذكرهم بأن تقلبات المناخ والكوارث الطبيعية ظلت عاملاً حاسماً في الحروب.. ولينظر هؤلاء لتأثير الصقيع الروسي في المعارك من لدن جيوش نابليون التي استعاد أدنى من ربعها أواخر العام 1812، وحتى الحرب العالمية الثانية.. وعند هذه نعيد من استكثر ارتياح الشارع العربي لحريق إسرائيل لما قرره رئيس الوزراء البريطاني الأشهر ونستون تشرشل بشأن تأثير تدهور المناخ على جيوش هتلر.. نعيدهم لكتاب المؤرخ الريطاني أندرو روبيرتس (The Storm of War)، ولرواية الكاتب الإيطالي كورْتسيو مَلابارته (Kaputt) (الدمار)، التي نشرها العام 1944، حيث يصف فيها العائدين من جيوش النازية قائلاً:
(لقد كان للبرد المروع في ذلك الشتاء عواقب غاية في الغرابة؛ آلافٌ مؤلفةٌ من الجنود فقدوا أطرافهم.. فقدوا آذانهم وأنوفهم وأصابعهم وشعورهم وأجفانهم.. وفيما تيبست الأجفان جراء البرد، فقد طفقت تتساقط كالبشرة الجافة..).
وخلال الحرب العالمية الثانية عصمت الغيوم مدينة كوكورا اليابانية من قنبلة (الرجل البدين) وأرخت لسوء طالع ناغزاكي الهدف البديل. وخلال حرب فيتنام استخدم الجيش الأمريكي يوديد الفضة لإطالة أمد المطر الصيفي لإعاقة تحرك قوات الجبهة الوطنية لتحرير فيتنام (فيت كونغ)..
وعلى الذين يتباكون على بضعة منازل قد يفتقدها أبناء فلسطين أن يدركوا أن فقد الوطن أفدح بكثيرٍ عند هؤلاء من فقد منزلٍ قد تستهدفه الجرافات غداً دون أي تبرير.. عليهم أن يراجعوا أعداد المنازل التي تهاوت تحت الجرارات قبل إحصاء ما دمره العدوان الآثم على غزةٍ من ديارٍ وبنىً تحتيةٍ كانت تجود بشحيح قدراتها لأهل غزة.. بل عليهم قبل ذلك إحصاء عدد اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن الذين ما تزال إسرائيل ترفض عودتهم.