تفويض السلطات ومنح الصلاحيات

422{ يتأبط الفشل أولئك الذين يكرسون كل السلطات والصلاحيات فى أيديهم ، بحجة أنهم الوحيدون الذين يوافقون على الصغيرة والكبيرة ، منعاً  لأى مخالفة ، أو تجاوز ، بحسبان أن الأمر والنهي ، لا يصدران إلا منهم ، وأنهم هم المبتدأ والخبر ، وكأن يدا واحدة يمكن أن تصفق ، إذ لا فائدة عندئذ فى طاقمٍ إدارى ، أو معاونين يقدمون إستشارة ، أو إستنارة ، وبالفعل عندما يحدث ذلك يهوى المسؤول فى أتون المشكلات ، ويعجز عن تحمل المسؤوليات فيوافق على ما لم تتوفر إليه معلومات بشأنه ، ويرفض الذى إستوفى جميع المطلوبات ، كل ذلك متناسين ، أو جاهلين أن تفويض السلطات يمثل أحد المكونات الرئيسة للإدارة الحديثة ، وأن محتكر السلطات ، لا إنجاز له ، وينطبق عليه المثل الإنجليزى JACK OF ALL TRADES MASTER OF NONE
{ والذين لا يفوضون السلطات ، يحولون بطانتهم إلى هتيفة ، ومساعديهم إلى كمبارس ، لا يستطيعون إبداء رأي مخالف ، وليس لهم دور ملموس يضطلعون به في سلسلة العملية الإدارية ، وإنما عليهم السمع والطاعة في كل أمرٍ،  وإن ظهرت عوراته للملأ.
{ والمدير الذي يسجن نفسه ، ولا يرى سوى الأوراق التي ترد إلى مكتبه ، للتصديق عليها ، دون أن يعلّق عليها القسم المختص ، أو يرد بشأنها تقرير من الإدارة المعنية ، يكون هذا المدير قد وضع نفسه بين المطرقة والسندان ، فإما أن يوافق ، أو لا يوافق ، وفي الحالتين ، لا يستند قراره على سندٍ ، والملامة هنا لا يمكن أن تلقى على شخص آخر ، وإنما تقع عليه قبِِل ذلك أم رفضه.
{ والمدير الذى يفتح بابه ، ويتفقد رعيته ، ويشاروهم ، ولا يمانع في مقابلة طالبي الخدمة من الجماهير ، تحرسه عندئذ معاني الشفافية ، ويكون مبصراً للحقيقة ، وغير مغيّب عن الذي يجري في مؤسسته ، ومن السهل عليه اكتشاف مواقع الإشارات الحمراء ، وخطوط العبور الخضراء ، والأُخر المشتبهات ، ومن زاغ نحو الممنوع ، أو حاول أن يقود خطى المؤسسة بدراية الرجل الأوحد تخبط في المتشابهات ، وسقط في المفسدات.
{ وتفويض الصلاحيات ، يزيل الوطأة التي يعاني منها الكثير من المديرين والتنفيذيين ، ذلك لأن الذي يرضى لنفسه أن يثقل بجميع الأحمال ، يستبد به هذا الحمل الثقيل فينوء بكاهله ، ويفقده عنصر الضبط ، والتحكم ، وهذا لا يقل مثالاً عن الطاقة الكهربائية الهائلة التي تداهم جهازاً يعمل بطاقة محدودة ، فتكون النتيجة ، إحراق الجهاز ، وتفحُم الذي بداخله من مكونات.
{ وتفويض الصلاحيات ، لا يعني أن تُمنح لمن لا يعلم ، أو توزع بطريقة لا تقوم على قواعد ، وإنما تقتضي فنون ، وعلوم الإدارة الحديثة ، أن توهب السلطات وتسند المهام ، لمن يدري أصولها ، وله الخبرة بما تستدعيه واجباتها ، حيث لا تحدث الكوارث وتستغل القوانين إلا من الذين يّدعون معرفة ، وهم على جهلٍ مطبق ، أو الذين نالوا سلطة ، بمعيارٍ مختل لم يكن العلم والدراية أصلين من أصوله ، أو عاملان ، كانا محوراً لإرتكازه.
{ وبمثل استحالة أن تصفق اليد الواحدة ، فذات الاستحالة تنطبق على من فوّض صلاحياته ، لمن تختلط عليهم الأمور ، ويجهلون أبسط السبل المتعلقة بسياساتها ، فلا يضعون نقطاً على الحروف ، ولا يدركون أي مآل ستؤول إليه ، وهؤلاء هم البطانة غير الصالحة ، وبالتالي لابدّ من الحذر عنها لأنها في الغالب هي التي تقود إلى السير في متاهات ودياجير الممنوع .
{  والأمثلة تترى ، لمن كانت البطانة غير الصالحة قد أوردتهم هذا المورد ، فسقطوا ضحية بينما كانوا هم في غفلة سادرين .
{ والمسؤول الذي يكون غائباً ، عن الذي يدور في مؤسسته ، أو وزارته ، هو من الطراز الذي يغلق قنوات التواصل معه ، فتحدث انسدادات لا يستطيع القضاء عليها ، أو القفز فوقها ، كالذي يرى أن عطباً خفيفاً قد حدث لكنه سها عن إصلاحه ، فتطور إلى درجة أنه أصبح مستعصياً  على العلاج ، ولا مجال لإجراء جراحة متأخرة قد تكون عالية التكلفة ، وغير مجدية ، بينما كان بالإمكان إزالة الإنسداد عندما كان الأمر خفيفاً ولا يحتاج إلا لإبدال الجزء التالف بقطعة غيارٍ ، بدلاً من أن يتسبب هذا الجزء التالف ، بتخريب وتعطيل الجسم بكامله ، ليصبح من أوله إلى آخره معطوباً ، ولا فائدة عندئذ من صيانة ، أو إصلاح ، أو علاج .
{ والذين لا يفوضون الصلاحيات ، أو أولئك الذين يفوضونها ، للعابثين والمستغلين لجهل مديرهم ، أو من يحيطون به ، لأنهم يتفقون مع مزاجه ، حباً مجرداً من معايير المهنة ، ومواصفاتها ، طال أم قصر الزمن ، سيهوون إلى حفرة عميقة من الإتهامات ، والإدانات ، خاصة أن كل الملفات التي طالها التشويه ، وتخللتها إجراءات باطلة ، سوف لن تسلم من مسؤول آخر ، سيحل محل ذلك المدير المغيب يوماً ما ، فتفتح ، وتراجع ، ويكتشف الملأ ما كان مدسوساً ،وظل موجوداً في الأضابير الخبيئة .
{ وسوف ينتهي البعض ، من الذين وجدوا أنفسهم على نحوٍ فجائي ، يجلسون على منصة من منّصات اتخاذ القرار ، وكانوا هم وحدهم الذين يقررون ، حيث لا تفويض ، ولا يحزنون ، إلى درك سحيق من الفشل ، والخيبة ، والحسرة ، ومواجهة القانون .
{ وبعض آخر يفوضون السلطات ، لكنهم يعطونها لمن يعبث بها ، ولا تسلم عندئذ من عبثٍ لا يبقي ولا يذر ، فتتحول السلطة إلى أمر مشاعٍ بلا ضابط حاكم ، كالذي يرضى أن يُدِخل لبيته كل فاسق ، وعديم ذمةٍ ، وسيئ أخلاق .
{ وعموماً فإن تفويض الصلاحيات هو العنصر الأساس لنجاح المديرين والمسؤولين ، وأرباب الأسر ، ولكن بشرط أن توجد المعايير اللازمة لذلك حتى لا ينفرط العقد ، ويغيب الضبط ، والإحكام .
{ فلا مجال لتكريس السلطات ، وبالمثل لا مجال لتفويض السلطات بشكل يجعل من الفساد مستشرياً ، عندما يُوسد الأمر إلى غير أهله  .