أحزاب وأموال (4)

423(1)
انتهينا في الجزء الثالث من هذه السلسلة، والتي عرضنا فيها الى أموال المراكسة في حزب بني شوعان الى ان القائد التاريخي لذلك الحزب، عبد الخالق محجوب، تميز بنزعة استقلالية وانه كان يرفض من حيث المبدأ تلقى الاوامر، وبالتالي تلقي الاموال من الخارج.
ولا غرو أن نزعات ومواقف عبد الخالق المتفردة وخلافاته المتعاظمة مع القيادة السوفيتية، لا سيما بعد رفضه الانصياع لطلب موسكو الاعتراف والتعاون مع النظام المايوي أنتهت به الى صقع ناءٍ بعيداً عن حب الرفاق وعطفهم. وليس أدل على ذلك من أن المنصة في المؤتمر العام للحزب الشيوعي السوفيتي الذي عقد بعد أشهر قليلة من اعدامه عام 1971 طلبت من عضويتها – كما جرت العادة – الوقوف دقيقة حداداً على قادة الاحزاب الشيوعية حول العالم الذين رحلوا خلال الفترة بين المؤتمر وسابقه. ولم يكن اسم عبد الخالق ضمن قائمة الراحلين التي تُليت!
(2)
غير أن حزب الشيوعيين السودانيين عرف انماطآً اخرى من الدعم غير المباشر من الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا. من ذلك المنح التعليمية والمنح العلاجية، وتمويل نفقات مشاركة اعضاء الحزب في المؤتمرات والمهرجانات الدولية. وكانت تجربة المنح التعليمية في مجملها بائسة وخائبة المردود، اذ لم يقصرها الحزب على منسوبيه، بل اتخذ منها أداة لمكافأة أنصار الحزب واصدقائه من عامة الناس، وبصفة خاصة اولئك الذين ساندوا الحزب في عهود الضيق، وآووا منسوبيه المطاردين. ولكن الحزب في المحصلة النهائية انتهى الى واقع غريب، إذ ان نسبة مقدّرة من هؤلاء المبتعثين عادوا فانقلبوا على اعقابهم فكانوا حرباً عواناً عليه عبر السنوات. ومن عجب أن أحد اعضاء )مجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطني)، من الذين دبروا انقلاب الجبهة الاسلامية ضد الديمقراطية الثالثة في العام 1989، كان واحداً من هؤلاء الذين اختارهم الحزب الشيوعي وبعث بهم للدراسة في موسكو. وبعد اكماله المرحلة الثانوية بنجاح توسط له القيادي العسكري الشيوعي المغفور له المقدم بابكر النور للالتحاق بالقوات المسلحة. ولكن ذلك الشاب الوثاب تأسلم و)تكوزن) عبر السنوات وانتهى عضوا في التنظيم العسكري السري للحركة الاسلامية.
(3)
سعى الحزب الشيوعي في مراحل مختلفة من حياته الى ولوج مجال الاستثمار الاقتصادي كاستراتيجية لتنمية موارده وتوفير الدعم المالي لكادراته ونشاطاته، وقد تراوحت تجربته في هذا المضمار بين النجاح والفشل.  وكان رجل الاعمال عبد الله محمد فرح هو أول مستثمر لأموال الحزب في حقبة الستينات الاولى، وقيل انه حقق نجاحاً لا بأس به في مهمته.
وبحسب العارفين فإن أفضل من وظف أموال الحزب وقام بتثميرها تجارياً كان هو رجل الاعمال المرحوم حامد الأنصاري. ولهذا كان الرجل من اوائل الاهداف في قائمة النظام المايوي، عندما احتدمت حالة العداء بين النظام والحزب، حيث اعلن رئيس النظام، اللواء آنذاك جعفر نميري، في بيان أذاعة شخصياً عبر جهازي الاذاعة والتلفزة في العام 1970 قراره بمصادرة اموال وممتلكات حامد الانصاري. هذا على الرغم من أن الانصاري كان من أثرى أثرياء السودان آنذاك، وان استثماره لأموال الحزب كان شأناً جانبيا هامشيا في نشاطه كرجل اعمال.
أما عن تجارب الحزب الاستثمارية الخائبة فحدث ولا حرج. من ذلك شركات للاستثمار في مجال الأدوية المستوردة من بعض الدول الاشتراكية في مراحل ما قبل سقوط المنظومة الشيوعية. وقد اغتني من هذه الاستثمارات بعض الافراد، بينما خرج الحزب صفر اليدين.كما عاني شيوعيونا من ابتلاءات الضعف البشري وتغير النفوس، فكم من كادر حزبي إلتوى بما في عهدته، ومنها أموال جمعت كدم الحجامة لأغراض حساسة. مثال ذلك الرجل الذي كلف بمهمة ترقية وتجديد مطبعة جريدة الميدان عقب ثورة اكتوبر، فتسلم الأموال المخصصة، ولكنه استطابها فحمل مال البروليتاريا في جيبه وغادر الحزب وتفرغ للتجارة والاستثمار الخاص.
(4)
تاريخياً كانت اشتراكات العضوية هي المصدر الأساس لمالية الحزب. والتعويل على استنباط المال عن هذا الطريق لم يكن شكلاً تقليدياً راتباً، بل هو عقيدة راسخة في حقل اصول مبدئية روى تربتها الآباء المؤسسون. بل إنهم جعلوا من الاشتراك الشهري شرطاً من شروط العضوية الثلاثة، وأولها القبول بالبرنامج واللائحة، وثانيها الانتساب الى منظمة حزبية، وأما الشرط الثالث المعقود بناصية العضوية فهو دفع خمسة بالمائة من دخل العضو شهرياً وبصورة منتظمة.
وها أنت – أعزك الله – ترى أن اعتناق الماركسية ليس شرطاً من شروط العضوية في الحزب الشيوعي. بل إنك يمكن ان تكون وهابياً من جماعة المغفور له عبد العزيز بن باز ثم تلتحق بالحزب لو أنك أمّنت على الشروط الثلاثة. ونزيدك من الشعر بيتاً، أن لائحة الحزب تنص على أن من توقف عن تسديد الاشتراك لمدة ثلاثة أشهر يتم فصله على الفور. كذلك فقد جعل الشيوعيون الأولون من تبرعات اعضاء الحزب واصدقائهم لمشروعاته سُنّة وربما فرض كفاية.
بيد أن لدينا ما نضيفه هنا، وهو أن النص بفصل العضو في حالة عدم السداد توقف تطبيقه منذ عهد طويل، لسبب غاية في البساطة، وهو ان تفعيله في زماننا الحاضر ربما يعني عملياً فصل اكثر من نصف اعضاء الحزب!
(نواصل)