« عصيان الأسافير » ضجيج السخرية والجدية ..

29-11-2016-05-5الخرطوم : متوكل أبوسن

تبدو مفردة «فاشل» معقولة نوعا ما في توصيف مآلات دعوة المعارضة لعصيان مدني لثلاثة ايام ،اذا ما كان المقصود من الخطوة بقاء المواطنين عامة في قطاعيهما العام والخاص في منازلهم طوعا وتضامنا لـ «فرملة» حركة دولاب العمل في الدولة وتعطيل الحياة العامة لاحداث هزة عنيفة تقود الي اسقاط النظام القائم او تراجعه عن حزمة الاجراءات الاقتصادية الاخيرة.
وان كان المقصود اعتصام بعض المواطنين والطلاب وتلاميذ المدارس والاطفال بمنازلهم لاسباب متفرقة فيمكن القول ان الاعتصام حقق قدرا من ذاك المسعي في يومه الاول وتلاشى بشكل واضح في يومه الثاني باستئناف من لزموا دورهم لاعمالهم ودراستهم في ولاية الخرطوم .
دفاتر مؤسسات الدولة ومرافقها الخدمية الحيوية لم تسجل حالة توقف لاي منها عن اداء خدمتها ،وان اغلقت بعض المحال لابوابها بدواع شتي من بينها التضامن مع العصيان .
اما في بقية الولايات فالصورة تغرد بعيدا عن سرب مجموعات التواصل الاجتماعي علي الشبكة العنكبوتية وخاصة تطبيقي «واتساب» و «فيس بوك» ،التي انقسم فيها المتداخلون بين مؤيد ورافض للفكرة ،وتباين التناول وانتقاد الطرح ما بين الجدية والسخرية .

المعارضة وعفوية المبادرة
بصلابة يدافع بعض الداعين للعصيان المدني انه مبادرة فردية عفوية لا علاقة لها بأي من مسميات قوى المعارضة احتجاجا علي الاجراءات الاقتصادية الاخيرة بما فيها زيادة اسعار الدواء،لكنهم اختلفوا وتباينوا حول الهدف النهائي وما اذا ما كان بقصد الاطاحة بالحكومة الحالية او الضغط عليها واجبارها علي التراجع عن اجراءاتها الاخيرة التي رأوا ان فيها عسرا يثقل كاهل المواطنين.
ولكن احد قروبات التواصل علي «الواتساب » ،وربما امعانا في السخرية ، امن فيه المتداخلون علي ان المبادرة خرجت من بين يدي قروب نسائي في «الواتساب» متخصص في كريمات البشرة وادوات التجميل بمسمي «فسخ وجلخ » بسبب التداعيات السالبة للاجراءات علي اسعار الكريمات والعطور وادوات الزينة ،وان كانت غالب اتجاهات الرأي لا تستبعد وجود اياد خفية لقوى المعارضة وان لم يكن هناك اسم ظاهر لاي من «والدي المبادرة ».
قروب لمجموعة من السياسيين ، بدا ميالا لوجهة النظر الاخيرة بوجود اياد لقوى المعارضة ،مبررا اختفاء الاخيرة من المشهد بشكل لافت الي انه تحسب منها لفشل الخطوة كفشل دعوة سابقة لها للاحتجاج بغية الاطاحة بالنظام سبتمبر2013 وتلك التي كان مسرحها ميدان «ابوجنزير» بالخرطوم مارس 2011 ،وعبر عنها سكرتير الحزب الشيوعي السابق المرحوم محمد ابراهيم نقد والذي جاء باكرا الي ميدان ابوجنزير فهاله غياب قيادات قوى المعارضة فكتب عبارته الشهيرة علي مزعة من الكرتون «حضرنا ولم نجدكم».
من مضوا الي ذاك السبيل من قوى المعارضة ـ بحسب قروب التواصل السياسي ، اشاروا الي ان قوى المعارضة ارادت بفعلها درء صبغة الفشل وتقريع الخصوم حال عدم نجاح ما خططوا له ،واستعدادهم في الوقت ذاته لقيادة الدفة حال وصول المركب للمبتغى .
شبه اجماع في «قروبات» التواصل بان من بين من اثروا البقاء في منازلهم في اليوم الاول ،المتخوفون من حدوث اعمال شغب وتظاهرات اشبه بما حدث في سبتمبر 2013 ، واخرون فضلوا الانتظار لاعمال الفكر والنظر حول ما يجري ، وهناك من استغل الموقف لاخذ قسط من الراحة من عناء جهد متواصل بحثا عن لقمة العيش.
سيف الحظر
اللافت ان سيف الحظر في معظم المجموعات كان مشهرا لحسم حالات احتداد النقاش والضرب تحت الحزام وخشونة الاحتكاك بحسب مايرى مؤسسو المجموعة بشكل يمكن وصفه بالمتعسف ولا تجدي معه «الاجاويد» ولا «التحانيس» لتغيير العقوبة الي لفت نظر او انذار او اعتذار مشفوع بعدم العودة لتبخيس ما ارتهن اليه المتداخلون.
اخرون ،ممن استشعروا خطرا في «قروب» ما ، اثروا المغادرة بهدوء تشيعهم لعنات المتداخلين باقذع الالفاظ واشكال ورموز الواتساب ، فيما لزم اخرون الصمت وامعنوا النظر والتحديق بعيدا بعيدا..
وتباري بعض المتداخلون في لصق «بوستات» لصور متباينة المغزى والمعاني ، فتارة هذا تجمع للمواطنين يضج بالحيوية ، واخر لطريق اسفلتي خال من المارة ، فيما استنصر بعضهم بصور من الخيال او الماضي للتأكيد والدلالة .
صور ومقاطع فيديو لطابور الصباح لطلاب وتلاميذ واطفال الرياض يكاد يخلو منها ايما «قروب» خاض في «العصيان» ومع مرور الوقت بدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا قل معه حماس دعاة العصيان.
استهزاء الرافضين
بنت مدني المطربة الشهيرة ولدلالة اسمها علي الفكرة كانت حاضرة في مداخلات المستهزئين الساخرين وهم يحاولون بشكل متعمد الربط المضحك بين لقب المطربة ودعوة العصيان المدني ،وما اذا ما كان «عصيان» هذا اخاها ام اختها .
بعض الرافضين للفكرة بسخرية لاذعة دعوا المعارضة الي توزيع حبوب «الفاليوم» للمساعدة في نجاح الدعوة بدلا من توزيع المنشورات والملصقات و«البوستات» في مواقع التواصل لانجاح المسعي،فيما رأى اخرون بذات السخرية اللاذعة ان الدعوة للعصيان كانت بهدف قياس رغبة وقدرة الشعب السوداني علي النوم والتكاسل.
بعضهم اشار الي ان البادرة كفت شرطة فض الشغب كلفة وضعية الاستعداد القصوي ،والوقود لحركة المركبات واستخدام خراطيش المياه «القاطعة» و الغاز المسيل للدموع .
تقريع المؤيدين
وفي المقابل ، فان الداعين والمؤيدين للعصيان صوروا ردة الفعل الحكومي بانها «حركة» اشبه بحركة «رق» الفنان الراحل محمد أحمد عوض للقدامى ، او رق المطربة ميادة قمر الدين لشباب اليوم في سرعة اهتزازه، فيما اشار اخرون الي ان وقف بث قناة ام درمان وانذار قناة سودانية 24 ابرز مؤشراته الحكومية والمؤتمر الصحفي الاخير لوزير الصحة والذي اعلن فيه تراجعه عن قائمة اسعار الدواء التي حددها مجلس الادوية والسموم والاطاحة بأمينه العام.
المفارقة ان التشكيل الحكومي الجديد الساخر خلا من قيادات قوى المعارضة في الداخل والخارج .
بين هؤلاء وأولئك
مداخلات موغلة في السخرية ، عن شخص خرج من منزله لشراء خبز يتساءل عن فقه تصرفه وما اذا ماكان سيبطل عصيانه ام لا ؟، فيجيبه اخر ، بانه لا يبطل وان به اكراه يستوجب القضاء بالتزام داره لاسبوع علي التوالي ،وذاك يتساءل عن سهوه في الخروج الي الطريق العام وعودته بعد ان تذكر انه من المعتصمين .
وتلك الام الجزعة التي ايقظت ابنها النائم وسؤاله «انت معتصم» فيرد متكاسلا والتعب يحاصر مقلتيه «لا لا يا أمي انا سامي »..
وبعيدا عما ضجت به الاسافير والموقف منه ،فان مفردة «العصيان المدني» ، تبدو حديثة الاستخدام في قاموس التجربة السودانية بشكل خاص وعموم محيطه العربي والافريقي ، ما يجعل من استيقانها والتفاعل معها علي نطاق واسع ومؤثر مستقبلا بحاجة لجهد وافر ووقت ليس يسيراً .