حكايات من الجنيد

يوسف عالم محمد البدوي
29-11-2016-07-11أذكر عندما كنت صغيرا» وعمري حينها قد تجاوز الخامسة بقليل كنت دائم الجلوس مع جدي وجدتي لعلي أستفيد من قصصهما وتجاربهما الطويله في الحياة فالجلوس مع كبار السن والاستماع لقصصهم وحكاويهم وتجاربهم يجد فيه الشخص متعة كبيرة فهم يسكبون عصارة فكرهم وخبرتهم بكلمات موجزة وبسيطة ولكنها بليغة ومعبرة وتحمل في طياتها معاني عظيمة .
كانت حبوبتي والدة أبي : رقية محمد النور – طيب الله ثراها – تأتي لجدنا محمد ود البدوي بالأخبار والشمارات التي تدور داخل القرية فتنقلها وتقصها له وهو كان – عليه رحمة الله – رجلا» ملتزما» بيته ودكانه وتجارته لا يتتبع الأخبار ولا يسعى وراءها فكان إذا خرج من دكانه وطاف في شوارع القرية فإن هذا يدل على أن هناك أمرا جللا وعظيما استلزم خروجه !!! فقد كان عندما تأتي له أمي رقيه بالأخبار بعفوية منها وكعادة معظم إن لم أقل كل النساء !!! في تتبع الشمارات كان يقول لها : ) يا امرأة ده خبر بمبر ) أي أن هذه الأخبار تؤلفها النساء من خيالهن وهن جالسات في البيوت على البنابر ، يرتشفن القهوة ويتجاذبن أطراف الحديث ويتبادلن ما يدور في القرية من مواضيع وقضايا مع النقصان او الزيادة فيها ، فهو لا يصدق هذه الأخبار لأن معظمها يكون عاريا من الصحة ولأن همومه ومشاغله تبعده عن تتبعها والتي لا تجلب له إلا هموما» إضافية لذلك ينأى بنفسه عنها .
إن المجتمع السوداني فريد في تكوينه فهو نسيج مترابط ومتداخل وقائم على تبادل الأخبار بين أفراده ومعرفة أحوالهم وأمورهم والإهتمام بشؤونهم وقضاء حوائجهم والتكاتف فيما بينهم ، وهذه بادرة حسنة تندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم : ) مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ، ولكن هذا الإهتمام قد يتعدى إلى غير مقصده وأهدافه المحددة من معرفة معاش الناس والسؤال عن حالهم وصحتهم وأمور دينهم ودنياهم ، فقد يتعدى هذا الأمر إلى التغول على خصوصيات الآخرين والتخصص فيها وإفشاء أسرار البيوت ، وتأويل المواقف والأخبار من غير هدى ولا كتاب منير !!! مما يؤدي إلى الشائعات المغرضة والتي بدورها تؤدي إلى تفكك المجتمعات والأسر والى العداوة فيما بينها .
فعلينا أن نبتعد عن الخوض في خصوصيات الآخرين وعدم إنتهاك أسرار البيوت ، والإنشغال بهمومنا عن هموم الناس ، فإن من ينشغل بأخبار الآخرين وكشف اسرارهم وتتبع زلاتهم يَسوَّدُ وجهه ويقل رزقه وتتناقص حسانته وتتضاعف سيئاته والعياذ بالله .
ختاما» أُهدي اليكم ابيات الامام الشافعي هذه والتي يمكن أن تمثل قاعدة متينة تُبنى عليها العلاقات الإجتماعية .
اذا رمت ان تحيا سليما» من الاذى
وعرضك موفور ودينك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس السن
وعيناك ان ابدت اليك معايبا»
فدعها وقل : يا عين للناس اعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتد
ودافع لكن بالتي هي احسن