مشروعات استراتيجية

422{ لقد مرت هذه البلاد بأحرج ظروف ، وأقسى أيام فى تسعينيات القرن الماضى ، عندما كانت الحرب فى جنوب السودان على أشدها ، ولم نكن نعوّل يومها على نفط ، أو ذهب ، أو قروض خارجية مذلة ، حيث بقى الهم الأوحد فى تلك الفترة ، كيفية توفير الضروريات وإحكام القبضة على المال العام ، والقدرة على مجابهة التحديات المتصلة بالعقوبات الإقتصادية والحصار المفروض ، والإتهامات الجائرة والإعلام الظالم .
{ وبرغم وعورة الطريق ، وتتابع الإبتلاءات ، وعظم العقبات ، إستطعنا فى فترة وجيزة تسجيل نجاحات مقدرة بالمحافظة على سيادة البلاد ، ومغالبة آثار الإنهاك الذى كان يمارس علينا من أقرب الدول وألصقها ، وأحسب أن الجائزة الأولى لمن مهد لنا هذا الطريق ، قد نالها أولئك الذين كانوا يمسكون بتلابيب القضايا ، ويرسمون الخطط العملية ، ومن ورائهم رجالٌ يحدثون أنفسهم حديثاً يعتمل فى القلوب ، ويتمكن عقيدة وإرادة ، فتتحول مفاعيلها إلى إنجازاتٍ مشهودة ، وأفعالٍ لا يُماري ، أو يُجاري فيها أحدٌ بحكم أنها أصبحت تمشى حيّة فى واقع الحياة وعالم النّاس .
{ ومن الأحلام التى رآها البعض ليست أقل من أحلام اليقظة ، والأضغاث ، بأن يقفز السودان بإنتاجه النفطى من كميات محدودة ، لم يقدرها الخبراء بأكثر من 5000 برميل فى اليوم الواحد ، لتتم تصفيتها فى مصفاة صغيرة بالأبيض ، ولكن المعجزة تحققت عندما تضاعف الإنتاج أكثر من مائة  مرة مكذباً حتى تقديرات الذين يعملون فى حقول الإكتشاف ، ولديهم الإحصاءات والبيانات.
{ ويقينى بأن التصميم إذا كان هو الذى يحدد مسيرتنا ، ويستنهض قوانا ، ويستنفر طموحنا ، ويستفز إرادتنا الكامنة ويحركها ، لتمكنا  فى سنوات قليلة من مضاعفة الرقعة الزراعية ، لتصل إلى عشرات الملايين من الأفدانة من  المحاصيل النقدية المتنوعة ، غير أن هذا يقتضى التصميم ، وقوة الإرادة ، وجرأة إتخاذ القرار ، مثل تلك القرارات التى إتخذها وزير المالية الأسبق المرحوم الدكتور عبدالوهاب عثمان فى تسعينيات القرن الماضى ، الذى أدار الإقتصاد فى أحلك مراحله ، وعبر به إلى بر الأمان بعد أن عصفت به رياح التحرير الإقتصادى ، وشارفت البلاد على الإفلاس ، وكان خبيراً فى مجاله ، أميناً فى أدائه ، ولم يعرف عنه أنه وهب مليماً واحداً لجهة بغير وجه حق ، أو وفقاً لترضية ، أو مجاملة لأحدٍ مهما كان نفوذه ، وزيراً كان ، أو والياً ، أو شاغلاً لمنصبٍ فوق ذلك ، أو دونه .
{ وكمثال لتفجر طاقات الأمة الكامنة قصة التعدين الأهلى  وتحدياتها ، فشركة أرباب التى عملت فى مجال إنتاج الذهب ، لم يتجاوز إنتاجها أطناناً محدودة لعدد من السنوات ، فإذا بالأهالى الذين يعتمدون على علو الهمة ، وإرتياد عالم المجهول فى الصحارى والقفار ، قد إستطاعوا بلا ميزانية تخصص لهم ، أو معونات تكنلوجية متطورة ، أو بيئة عمل مريحة ، أن يقفزوا بإنتاج الذهب إلى عشرات الأطنان .
{ وطاقات الأمة العظيمة يجب أن تستصحب معها المشاريع الكبرى ، فمثلاً لو كنت فى موقع تحديد المشاريع المستهدفة للسنوات القادمة ، لما ترددت ، وضمن مشاريع حصاد المياه ، فى إتخاذ القرار الضرورى الصائب ، بإستخراج مياه كردفان الجوفية التى تصل إلى مليارات الأمتار المكعبة ، وهى تفوق حصتنا من مياه النيل أضعافاً وأضعافاً ، وبالتالى توفير المياه فى كل مناحى كردفان طوال العام مما يضمن بث الحياة فى عشرات الملايين من الأفدنة البور ، والاراضى الخصبة البكره ، ويضمن إستمرارية المرعى ، وتوطين الزراعة الدائمة المتنوعة مثل المحاصيل البستانية ((الخضر والفاكهة)) والمحاصيل النقدية الأخرى ، ورفع مساهمة قطاع الثروة الحيوانية فى الإقتصاد وذلك بتغيير نمط تربيتها وتكاثرها ، وتناسلها ، وتهجين سلالاتها ، فمثلاً وجود المرعى الدائم بجانب المياه يعنى تعدد الولادات للضأن والأغنام خلال العام الواحد ، وهو أمر نفتقده اليوم ، إذا يعانى هذا القطاع من الإهمال شبه التام ، بعد أن تقلصت ميزانياته ، وقلت معيناته المالية والفنية ، وفشلت مشاريع التوطين الإجتماعى الأخرى المصاحبة .
{ كما أرى أن مشروع الأمة ، الذى تقوم عليه بقية المشاريع الأخرى ، وعليه يعتمد نجاحها ، هو مشروع الطاقة الاستراتيجى الذى يجب أن يكون على قمة أولوياتنا وأهدافنا ، وهو ليس بمستحيل التنفيذ ، إذ يستدعى فقط شحن الطاقات ، وإحياء الفكر ، وإستصحاب الإرادة والعزيمة ، لإنتاج الطاقة الكهربائية لتصل إلى ثلاثين ألف ميقاواط فى مرحلته الأولى ، وهو شيء يمليه الطموح ، ويفرضه التحدى ذلك لأن التطور الذى ننشده ، لاستثمار مواردنا وإستخراج مكنونات أرضنا ، وبناء المصانع التى يعلو دخانها ، ويفيض إنتاجها ، ويحيل الأمل إلى واقع ، والخير المدفون إلى سطح الأرض وتشبع البطون الجائعة ويؤسس لقناعة بأن لا مكان لجوع فى أرضٍ بكر تشق فيافيها الأنهار ، إلا بإنتاج عظيم للكهرباء ، وبغير ذلك سنتحدث ، فلا يسمعنا أحد ، ونستجدى الآخرين ، فلا يمولون لنا مشروعاً ، وفى نهاية الأمر سيولي كل مستثمر الأدبار ، ويبقى أهل السودان جوعى وتحت أقدامهم كنوزٌ عظيمةٌ مطمورة .
{ وفيما لو قررنا إنتاج الطاقة ، وإستخراج المياه للزراعة ، والرعى لما استطاع أحدٌ أن يتهمنا بالكسل ، أو تتكرس فى ذهنه مقولة بأن السودان هو رجل أفريقيا المريض .
{ فتوسع التعليم العالى فى بلادنا ، لم يحدث بفعل أموالٍ رصدناها ، ولا بميزانيات فائقة أعددناها ، ولكن كان الجزء الأكبر هو الإرادة الغلابة التى أصبحت مثلاً يحتذى لدولٍ عربية لم يكن أمامها إلا إقتفاء أثر السودان والسودانيين .
{ والقناعة الأكيدة هى بأن التصويب والتركيز نحو مشروعات حيوية هو الذى يخرجنا من عنق الزجاجة ، ويرد الكيد لنحور الذين ما زالوا يرموننا بالسهام المسمومة التى قد تخطئ ، وقد تصيب.