في الشوق

420«1»
وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجوى وكادت عرى الصبر الجميل تفصم
أعلل نفسي بالتلاقي وقربه وأوهمها لكنها تتوهم
وأتبع طرفي وجهة أنتمو بها فلي بجمالها مربع ومخيم
وأذكر بيتاً قاله بعض من خلا وقد ضل عنه صبره فهو مغرم
أسائل عنكم كل غادٍ ورائح وأومئ إلى أوطانكم وأسلم
وكم يصبر المشتاق عمن يحبه وفي قلبه نار الأسى تتضرم
تلك أبيات من قصيدة العلامة شمس الدين أبوبكر المشهور بابن قيم الجوزية، وهي من روائع المشوق وتسمى «الميمية».
«2»
وقال آخر:
قوم تخللهم زهو بسيدهم
والعبد يزهو على مقدار مولاه
تاهوا به عمن سواه له
بأحسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا
وكانت رابعة العدوية تقول:
ولقد جعلت في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي لمن أراد جلوس
فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيس
٭ فقد صفا قلبها ولم تعد تدرك من حولها وما يحيط بها من حياة ضاجة بالناس والهموم والمشاغل، فقد تعلق القلب بشوق كبير.
«3»
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث طويل: «وأسالك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة»، فالشوق سفر القلب في طلب المحب والنزوع إليه، لا يهدأ له بال ولا يرتاح في مسار من كد إلى جد، مسارعاً بالخيرات متجافياً للذنوب «ففروا إلى الله»، و«سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض».
إنها شأن المؤمن في ترحال مستمر، قد ينكفئ حيناً ولكنه يعود يغسل الران من القلوب، وللرجاء في نفوسهم مكان:
لولا التعلق بالرجاء لقطعت
نفس المحب صبابة وتشوقاً
حتى إذا روح الرجاء أصابه
سكن الحريق إذا تعلل باللُق
ويجيب سيدنا موسى عليه السلام «وعجلت إليك ربي لترضى».
«4»
ومن أحسن العمل في دنياه أحب لقاء الله، وقيل آية العنكبوت «5» نزلت في شأن الذين يتشوقون إلى لقاء الله بحسن العمل، قال تعالى: «من كان يرجواْ لقاء الله فإن أجل الله لأتٍ وهو السميع العليم» ، وتلك غاية يسارع إليها كل محب امتلأ بالشوق قلبه:
والصبر يحمد في مواقفها كلها
إلا إليك فانه لا يحمد
اللهم أرزقنا لذة
الشوق إليك والنظر
إلى وجهك الكريم