الرجال لا تخون

421كان يوم أمس الخميس من اسعد أيام عمري ، فعندما مالت الشمس نحو المغيب بالخرطوم وقد غاصت في عين النيل شرقا ، ترسل ظلالا وخيوطا تتدلى من القرص المنطفئ تمدها نحو« الحاج يوسف» حيث شرق اخر «شرق النيل» كانت طائرة صغيرة تهبط علي مدرج المطار ، تحمل رجالا و«رجلا» ، تحمل وجيف قلوب وشهيق أحبة وعبرات أحباب ، كانت تهبط فاستراحت معها أيام عسرت وتعثرت لبعض لكنهم ما انكسروا وسلموا امرهم لله رب العالمين ولا راجي يرد عند من امره بين الكاف والنون.
عاد «إيهاب عبد المنعم» ولست أدري باي الصفات أقدمه ، ففي سيرة الرجل أقطار ومنافذ من الصفات والمناقب ادناها أنه بطل «مهاب» وصديق صدوق ، ورجل وسم دواخل العشرات من أبناء جيلي بكريم المثال وناصع البيان والعمل ، يوما ان اجتمعنا كلنا نحن وهو علي صعيد الوطن لا تعارف بيننا او انساب وكان رزاز الوطن هو نضيد حرف تعارفنا وبعض شحيح وكثير مجاري الدم ومصاعد الصعاب وافترقنا كان قبل «23» سنة من أعمار الزمان وقياساته وما انطفأ شهاب الود والتقدير للرجل وعموم رجال الجيش الذين صحبناهم هناك فما اسلمونا الا لمقام عز ، وصعيد كبرياء ، وعدنا نحن للمدائن نعافس الوظائف واظلاف درجات الرقي والترقي وظلوا هم في ارجاء الوطن الجميل كحلا في اعين ايام العاديات وراية ان لم يجدوا لها فلاة وصقع ركزوها في جماجم الابطال منهم واجسادهم النضيرة.
من النيل الازرق الي دارفور يقطعون وديان الوحشة ويصعدون تلال الصعاب ، ما تضجر صائحهم وما خفت عزم البطولة والفداء فيهم ، يذكرون من قبروا هناك عند حافة الطريق ومنعرج الدرب وقد شدوا له اضلاعهم مثوى ومقاما مثل ضريح الصالحين في افئدتهم ومجاري الدم فيهم فطهرت دواخلهم لا يقربهم الشيطان او يرجل عليهم برجل الظنون والهواجس ، مؤمنون بقدر الله فان حل بهم وجدهم وكأنما يحوزون تمام الرضا ، رأيت هذا في صبر أمهات الشهداء وجلد حاملي أوسمة الجرح والكلم الدامي ، رأيته في تبسم الملازم عبد القادر أركا وطرفته العريضة وفي ثبات العقيد شرف الدين الحاج برير وفي ضرعة اللواء عبد المنطلب اسد شندي الجسور.
كان «ايهاب» امتدادا لرجال ، أم الشهداء ومصنع الاقوياء ، لم تهزه مصيبة الأسر ولا بلوى ظلام الحبوس وظلامات مرارة الايام وها هو يعود ضابطا عظيما كما عرفناه ، بسام المحيا ، ابيض الوجه والعارضة والدواخل ، رجل نحسبه قد عرف الله فرد الله له الفضل عناية ورعاية وقوة تشبه عزم الصلاح فيه.
أخي ايهاب عبد المنعم ومن «معه» عرفتم فالزموا كما عرفنا ولزمنا وستجدوننا نحن بذات العهد القديم لم يبلى عندنا وان بلى بعض عهد الادعياء والنكرات ، سنكون معكم فالرجال لا تخون.