نعمة تعدد الآراء الفقهية

422} لم أجد بحكم إطلاعي على المدارس الفكرية ، والمذاهب المتبعة في جميع أرجاء العالم بشأن قضايا الدولة و المجتمع ، أوسع من تلك الخيارات التي يحتويها الفقه الإسلامي ، وبالرغم من سعة المجالات التي بذل فيها فقهاء الإسلام جهداً عظيماً ، غير أن طائفة ، أوعدداً مقدراً من الجماعات الإسلامية ، أراها تتمترس في محطات زاعمة بأن الذي تراه هو الأصوب ، والأولى بالإتباع خاصة حيال قضايا فرعية ، و مسائل هامشية،لا علاقة لها بالأصول و القطعيات التي لا جدال حولها.
} و الأمر المستغرب،أن يصر بعض الذين ، يدَّعون غيرتهم على الدين بتصويرالزي الذي يلبس، والأسلوب الذي يُتّبع ، وفق أنماط يعتبرونها هي التي كانت تميّزسلفنا الصالح،كأنما هؤلاء قد وقفوا على حقيقة هذه الصورة عبر مشهد مصوَّر،أو فيلم سينمائي.
} وحتى إن كانت هناك مواصفات أفصحت عنها كتب التاريخ فإن ذلك لا يعبّر عن الصورة الحقيقية ، ولا ينبغي أن يكون حجة لمتشدد، يريد منا أن نسلك طريقاً ، أحاطت به ظروف يتصل بعضها بالمكان ، والبعض الآخر بالزمان، حيث إختلاف العادات،و الأساليب ، والصيغ التي كانت عليها المجتمعات من أعراف، وتقاليد،وغير ذلك من طبائع أثّرت فيها الجغرافيا، و قيَّدها الواقع بما كان عليه من معطيات.
} و الذين يتصدون للفتيا في زماننا هذا من علماء،إن أرادوا أن يفعلوا خيراً على طريق التيسير، والتسهيل لأمة الإسلام، عليهم أن يبصّروا،و ينوّروا السائلين عن قضاياهم،و المستفسرين عن حلول مشاكلهم ، بمختلف الآراء الفقهية ، ولا ضير في ذلك ، ومن الخطأ أن يعتقد عالمٌ مهما بلغ شأواً من العلم،بأنَّ رأيه هو الصواب ، ذلك لأن نبي هذه الأمة ، حسب الرواية التي وردت في كتب الفقه، قد أمسك عن الفتوى لرجل من الصحابة لجأ إليه و هو في غاية الحيرة ، عندما أشكلت عليه قضية ، فكان الحكم حولها متبايناً من فقيه إلى آخر ، فاتجه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم راجياً أن يحسم له المصطفى صلى الله عليه و سلم ما أشكل عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إستفت نفسك ولوأفتوك الناس ، و أفتوك أو كما قال.
} وياليت علماءنا المعاصرين ، يستصحبون معهم ما طرأ على حياتنا من تعقيدات ،وما نشأ من متغيرات ، و ما انتصب في وجوهنا من تحديات ، و ما تقابله دعوة الإسلام من إتهامات ، فلا يفتون في قضية بفتوى غير مناسبة ، حتى و إن كانت في ظرف زماني آخر تتمتع بعناصر جامعة لما هو ملائم ومناسب.
} وأجد نفسي متعجباً كذلك من أناس يودون منا أن نجعل من أحكامنا تجاه القضايا المختلفة،أحكاماً كالقوالب الجاهزة ، والأصنام المقدسة، دون مراعاة لأحوال النّاس، وصروف الزمان ، وغض الطرف عن ذلك الفقه الواسع الذي لم يكن سبباً في نزاع بين الذين أدوا فريضة الحج قبل أكثر من ثمانمائة عام ، وخير دليل على ذلك ما ذهب إليه الأخ الكرنكي فى إحدى مقالاته بهذه الصحيفة راوياً روايات كثيرة عن مظاهر الحج أيام زمان ، اعتماداً على ما كتبه العالم الأندلسي ابن جبير، حيث الفقه المتنوع،و المناهج المختلفة، حتى عندما كانت تقام الصلاة وتؤدى المناسك .
} وأعجب جداً لجماعات تدعي أن الحق معها و تريد في أيامنا هذه أن تدفع جميع المسلمين للسير في طريق بغض النظر عن وعورته،وما يحيط به من متاريس و جبال،الأمرالذي دعاني للتساؤل،من هم الأقرب إلى عهد صحابةرسول الله صلى الله عليه و سلم، و الأقرب إلى تطبيق السنن،؟ أهم أولئك الذين عاشوا و عبدوا الله قبل ثمانية قرون من الزمان،أم هؤلاء الذين يكرهون النّاس على أحكام أطَّلعوا عليها في كتب، وأغفلوا أحكاماً عجت بها كتب أخرى ، وهي كذلك من تراث الفقهاء .
} فيا علماء الإسلام ، يسّروا ، ولا تعسّروا ، وبشّروا ، ولا تنفروا .