معركة العالم الافتراضي بين الحكومة والمعارضة .. الكسب والخسارة

الخرطوم : محفوظ عابدبن
شكلت الدعوة التي أطلقتها المعارضة السودانية الى جموع الشعب السوداني بالداخل الى إعلان العصيان المدني وتنفيذه في بداية الاسبوع في نهاية شهر نوفمبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، لهزيمة الحكومة او اجبارها على التر اجع من حزمة قرارات الاصلاح الاقتصادي التي اتخذتها مؤخرا من اجل معالجات قد تعيد الوضع الى حالة أفضل مما عليه الآن ، وشكلت هذه الدعوة عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ، كأسلوب جديد في توظيف هذه التقنيات التي لاتستطيع السلطات في اي بلد ان تتحكم فيها كما كانت تتحكم في وسائل الاعلام التقليدية مثل الصحافة الورقية والاذاعة والتلفزيون ، ويبدو ان المعارضة السودانية أرادت اللجوءالى هذه الوسيلة بعد ان فشلت المحاولة السابقة في الخروج الى الشارع وقيادة مظاهرات في كل مدن السودان وخاصة الخرطوم عاصمة البلاد ، وكانت تلك المحاولة المعروفة اعلاميا باحداث سبتمبر ، وكانت في الاصل هي محاولة خروج احتجاجا على الزيادات التي اعلنتها الحكومة في ذلك الوقت على بعض السلع المدعومة وكان اهم هذه السلع هي المحروقات. وليس هدفها الاساسي هو اسقاط النظام كما كانت تدعي المعارضة والتي حاولت ان تستغل هذه السانحة لابراز عضلاتها وتوجه رسالة الى منسوبيها في الداخل والخارج (أنا موجودة) ولكن ظلت تلك الاحتجاجات المحدودة والتي تمت السيطرة عليها ، هي الانجاز الوحيد الذي تفاخر به لانها تدثرت فيه بثياب اصحاب الدخل المحدود.

والمعارضة السودانية أرادت الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي ، في تحريك الشارع ضد الحكومة او تنفيذ العصيان المدني والذي يكفيها شر مواجهة السلطات في حالة الخروج الى الشارع .، والاستفادة من التجرية التونسية والمصرية في توجيه هذه التقنية في هذا الفعل السياسي ، بالرغم من ان الثورتين التونسية والمصرية سبقتا احداث سبتمبر باكثر من العامين ، بالرغم من الاحصائيات في ذلك الوقت تقول ان حوالي عشرين مليون سوداني يملكون هواتف سيارة وان نصف هذا العدد ويزيد في ذلك الوقت يتعاملون من الانترنت بوسائل مختلفة ، وهذا يؤكد ان الشعب السوداني كان أصلا مهيأ لاستقبال رسائل من المعارضة ولكن يبدو انها فضلت المواجهة المباشر في سبتمبر 2013م ، ومن درس سبتمبر نفسه جاءت فكرة اللجوء الى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ، في تنفيذ فكرة العصيان المدني كأسلوب جديد لم يألفه أهل السودان ، لكن حتمته ضرورة الاستفادة من تقنيات الاتصال الحديثة باعتبارها فتحاً ثورياً، نقل الإعلام إلى آفاق غير مسبوقة، وأعطت مستخدميها فرصاً كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة إلا بشكل نسبي محدود. إذ أوجد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قنوات للبث المباشر مع جمهورها في تطور يغير من جوهر النظريات الاتصالية المعروفة، ويوقف احتكار صناعة الرسالة الإعلامية لينقلها إلى مدى أوسع وأكثر شمولية، وبقدرة تأثيرية وتفاعلية لم يتصوّرها خبراء الاتصال. ورغم ان هذا التعريف الكبير ، فقد نجحت المعارضة في ايصال رسالتها ولكن فشلت في التنفيذ والاسباب قد تكون معروفة هو انه لا يمكن لمجتمع (افتراضي) ان يحدث تغييرا في (الواقع ) على الأرض لان المجتمعات الافتراضية تتسم بدرجة عالية من اللامركزية وتنتهي بالتدريج إلى تفكيك مفهوم الهويّة التقليدي. ولا يقتصر تفكيك الهويّة على الهويّة الوطنيّة أو القومية بل يتجاوزها إلى الهويّة الشخصية، لأنَّ من يرتادونها في احيان كثيرة بأسماء مستعارة ووجوه ليست وجوههم، وبعضهم له أكثر من حساب.
وهذا الامر في حد ذاته لا يتوافق مع الواقعية ، وكان هذا واحدا من اسباب فشل المعارضة السودانية في تنفيذ العصيان المدني الذي دعت اليه كما زعمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، لان الجهات المنوط بها تنفيذ هذا العصيان من موظفي الخدمة المدنية والعاملين في القطاعين العام والخاص وغيرهم فكيف ينساقون وراء جهة افتراضية مجهولة الهوية ومشكوك في سودانيتها او شخصيتها الوطنية باعتبار هذا الامر سمة اساسية للمجتمعات الافتراضية .لكن الواقع يقول ان هؤلاء الذين يديرون المعركة من الخارج عبر وسائل التواصل الاجتماعي عليهم الحضور الى ميدان المعركة وقيادة أمر العصيان هذا لانه ببساطة شديدة ان العصيان يحتاج لجهة حقيقية تقوده وليس جهة افتراضية مجهولة الهوية .وحتى قيادات المعارضة بالداخل ظلوا في حال خفاء وكأنهم يشاركون زملاءهم بالخارج ذلك العالم الافتراضي ، واكتفوا ببيانات تحريض في ذات مواقع التواصل الاجتماعي .
لقد كانت الحكومة حاضرة في الميدان وفي مواقع التواصل الاجتماعي تتصدي لدعوات المعارضة ،واستطاعت من خلال معركة العالم الافتراضي ان تكسب المعركة رغم ادعاءات المعارضة بنجاح مساعيها في تنفيذ العصيان المدني مستندين على الساعتين الاول من ذلك اليوم الاول حيث سادتهما حالة ترقب وحظر من قبل المواطنين في حالات محدودة، وبعدها انطلقت مسيرة الحياة عادية بعد العاشرة صباحا من ذلك اليوم .
وبعد هذه المعركة الافتراضية بين الحكومة والمعارضة لكن السؤال المطروح إذا كان بإمكان مواقع التواصل الاجتماعي القيام بتلك التأثيرات ، فلماذا لا يتم استثمار هذه القنوات ذات الانتشار الواسع والتأثير الكبير بين كافة فئات المجتمع لتنظيم حملات إعلامية هادفة، تعمل على ترميم الوعي السياسي حتى لا يتآكل بفعل تأثير التدوينات السلبية في مواقع التواصل الاجتماعي، وتقدم جرعة ثقافية سياسية بأسلوب غير مباشر، وتقوم باستقطاب واستيعاب القدرات الشبابية الكبيرة، حيث إن كثيراً من طاقات الشباب يمكن توظيفها في هذا الجانب، لأن كثيراً من مفردات العمل السياسي ربما تكون غائبة عن أذهان الشباب، ويكون دور شبكات التواصل الاجتماعي بمثابة النافذة أو القناة التي يتم من خلالها التوجيه السياسي، حيث تعد هذه الشبكات إحدى وسائل تشكيل الوعي السياسي في الوقت الراهن.خاصة ان الحكومة باحزابها المشاركة فيها يمكن ان تكون كتيبة إلكترونية يمكن ان تعزز هذا المفهوم ، واذا اخذنا في الاعتبار فقط ان عضوية المؤتمر الوطني تتراوح ما بين عشرة الى ستة ملايين حسب الاحصائيات ، مضافة الى عضوية الاحزاب المشاركة في الحكومة بالاضافة للحادبين على مصلحة الوطن ، فهؤلاء يتفوقون على المعارضة عددا وعتادا ، وما يميزهم أكثر انهم موجودون في أرض الواقع وبذات العدد او يزيد يمكنهم التواجد في العالم الافتراضي.