الخبر .. وداعاً عهد القداسة

سيف الدين البشير

سيف الدين البشير

من السياسي مروراً بالاقتصادي والاجتماعي فالعلمي ، ما من مجالٍ اجتمع أهله حول أدبياته وأخلاقياته كمثل اجتماع أهل الإعلام ، وما من مجالٍ اختلف أهله حول تفسير أدبيات الممارسة وأخلاقياتها وتطبيقاتها كمثل ما اختلف أهل الإعلام على كل ذلك . وإذا كان اختلاف التفسير والمفاهيم والتطبيقات قد ضرب جلَّ المعالجات ؛ فإن الخبر يعد هو الخاسر الأكبر بين ضحايا الاختلاف .. غني عن القول ان الخبر يحتل الموقع الأرفع في هرم العملية الإعلامية باعتباره المنطلق لجلِّ ما عداه من معالجات.
فهم في السياسة يختلفون حول تفسير التأريخ ، ومبررات التحالفات ، وضروراتها .. مابين توازن القوى أو التسليم بغلبة الأقوى . وفي أنظمة الحكم مدارس ما بين أنظمة رئاسيةٍ وأخرى برلمانيةٍ وثالثةٌ هجين . وفي الاقتصاد من يؤمنون بحرياتٍ تجاريةٍ مطلقةٍ وبين حرياتٍ محدودةٍ وبين كفران بيِّنٍ بالتحرير . وفي العلوم ثمة مدارس ذات مرجعياتٍ مختلفةٍ من تصور نشأة الكون مروراً بانقراض الديناصورات وحتى فيروس الإيدز . أما في الإعلام فإن لوح أخلاقياته وأدبياته تظل تتطابق تماماً على المستوى النظري ، في حين تتباعد إلى حد التناقض عند التطبيق .
ويصح أن الخبر الذي بُشِّرنا وبَشَّرنا بقدسيته هو التجسيد الأمثل للاتفاق نظراً والاختلاف البيِّن تطبيقاً .. فالمصداقية والحياد والاستقلالية والتجرد من خلال جمع المعلومات الموثوقة ، وتحاشي اللجوء للأساليب الخفية السرية أو غيرها لجمع تلك المعلومات ما لم يستحيل ذلك بالطرق التقليدية المفتوحة ، والدقة في نقل تلك المعلومات ، مع تحديد المصادر بشكلٍ واضحٍ حتى يحكم القارئ على موثوقية ودوافع المصدر ، والتفكير في دوافع حجب اسم المصدر ما إذا كانت موضوعيةٍ أم لا قبل التعهد بعدم ذكر اسمه ، والتمييز الدقيق بين الخبر والإعلان مع نبذ الهجين الذي يطمس الخطوط الفاصلة بينهما ؛ كل ذلك يكاد يكون متفقاً عليه بين كل الممارسين للمهنة وكل تجمعاتها العلمية الأكاديمية وجمعياتها المهنية ، ومؤسساتها الممارسة .. أما في التطبيقات فقد أضحت تلك القيم من تأريخ الإعلام مثل إذاعة ماركوني أو مطابع البخار ، أو كمثل البصمة الصحافية لجيمس غوردون بينيت.
وتبدو مبررات ذلك الفصام المريع بين النظرية والتطبيق متداخلةً ومتشابكةً مبلغ التشاؤم بأنها ماضيةٌ نحو الأسوأ تجاه أخلاقيات الممارسة كأكبر مهددٍ للحريات الصحافية .
وإذا كان المفهوم التقليدي قد مشى بأن سطوة الحكومات الوطنية هي الكابح الأوحد للتطبيق المعياري لقيم المهنة ؛ فإن ثمة عوامل تبدو أشد خطورةً على تلك القيم من سطوة الحكومات . وتأتي أجندات الوسائل الإعلامية أو التوجهات الفكرية للعاملين بها على رأس العوامل المؤثرة في القيم المهنية اقتراباً أو ابتعاداً .
وبما أن تقارب العالم حتم أن تتوسع كافة الوسائل في تغطيتها لتشمل الحد الأقصى الممكن ، ومن ثم تظفر بأكبر عددٍ من المتلقين ، فقد تزايد الاعتماد على المراسل كعينٍ للوسيلة أينما وجد ، وفرض ذلك الواقع إما تماهياً بين توجه المراسل وتوجه المؤسسة .. أما في حال تجرد المراسل وحياده ، وتفاديه لتبني أجندةٍ مسبقةٍ ، عندها ربما تمثل سطوة الوسيلة تهديداً أكبر من سطوة الحكومات في الساحة التي يغطيها .. وبالخواتيم فإن العالم يبدو مهيَّئا أكثر من أي وقتٍ مضى للتخلي عن قدسية الأخبار خاصةً ، ولوداع القيم المهنية عامة ً.