تحرير سعر الدولار أم حظر تداوله؟!!

حسن-يحي-1سياسة التحرير لا تعني الفوضى في الأسعار وإنفلات السوق فالرقابة والمحاسبة مطلوبة لضمان نجاح هذه السياسة. سياسة التحرير تعني تحرير أسعار السلع وليس أسعار العملات الأجنبية التي هي عبارة عن وسيلة في التجارة الدولية. تحرير سعر الدولار يعني تقنين السعر الموازي المبني على تضاربات تجار العملة. سعر السوق السوداء للدولار سعر غير حقيقي لأنه مبني على المضاربات بعد أن تحول الدولار من وسيلة لتبادل السلع إلى سلعة تباع وتشترى. تحرير سعر الدولار يعني تعظيم لعملة دولة عدو للسودان وإضعاف للعملة الوطنية. أمريكا تحاصرنا سياسياً واقتصادياً ولا يوجد بيننا وبينها تبادل سلعي فلماذا نربط اقتصادنا باقتصادها؟!! إسرائيل دولة عدو وجواز سفرنا صالح للاستعمال في كل دول العالم عدا إسرائيل وأمريكا اليوم أصبحت أكثر عداءً من إسرائيل للسودان والمصلحة العليا للبلاد تتطلب معاملتها بالمثل وهذا عرف في الدبلوماسية الدولية فلماذا نعظم عملتها ونضعف ونقلل من عملتنا الوطنية؟!! علينا أن نتذكر بأن أمريكا لا تدفع ثمناً لما يهدى لها. أمريكا حرمت السودان من الدولار بدعمها القوي لانفصال الجنوب وبدعمها لحركات التمرد حتى لا تتمكن الدولة من استغلال ثرواتها ومواردها الضخمة. أمريكا أعلنت أنه لا مثيل لها في العالم إلا السودان من حيث الثروات والموارد وهذا يجعل قيمة عملتنا موازية لقيمة عملتها. أمريكا بعد فشلها الذريع في إسقاط الحكومة عن طريق العمل العسكري واتفاقيات السلام المشبوهة لجأت لمحاصرته اقتصادياً بتجديد عقوباتها سنوياً على أمل أن يقود ارتفاع الأسعار الجنوني إلى احتجاجات شعبية واسعة ربما تقود إلى إسقاط الحكومة. الشعب السوداني بوعيه السياسي وإدراكه للمخططات الأمريكية أفشل قيام المظاهرات «حضرنا ولم نجدكم» فأوحت أمريكا للمرجفين في المدينة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتعطيل دولاب العمل بالدولة. بعد أن عجزت المعارضة الهزيلة في تحريك الشارع قالت للمواطنين ألزموا منازلكم. غريب أمر هذه المعارضة البائسة إذا كانت الأعمال القوية والعنيفة والعمالة والارتزاق لم تسقط الحكومة فكيف يمكن للأعمال السلبية أن تحقق تلك الغاية؟!! هذه دعوة لن تجد من يستجيب لها لأن قطع الرقاب أهون من قطع الأرزاق. الشعب السوداني ليس كله عاملاً في القطاع العام أو الخاص وإنما معظمه يسعى لكسب رزقه يومياً. هذه دعوة تحريضية تمس أمن واستقرار البلاد ويعاقب عليها القانون. هذه الدعوة تعتبر سانحة لإصلاح جهاز الخدمة المدنية المترهل بمحاسبة من يستجيب لها. تعويم سعر العملة الوطنية من روشتات صندوق النقد الدولي التي جعلت اقتصاد دول العالم الثالث تابعاً لاقتصاد الدول العظمى. هنالك بعض الاقتصاديين الذين درسوا بأمريكا فأصبحوا متحمسين جداً لتنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي. لقد فات على هؤلاء أن صندوق النقد الدولي أصبح آلية من آليات النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتوظفه لتركيع الدول المعادية لها. كل الدول التي طبقت سياسات صندوق النقد الدولي تفاقمت أزماتها الاقتصادية وإنهار اقتصادها. أمريكا تبنت سياسة «لى الذراع» والسودان رفض ذلك فعاقبته أمريكا بتجديد عقوباتها الاقتصادية سنوياً وحرمته من المنح الفنية والدعومات الاقتصادية والقروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ارتفاع نسبة التضخم والارتفاع الجنوني للأسعار في السودان سيبرهن لأمريكا نجاح عقوباتها الاقتصادية وسيغريها ذلك على الاستمرار في تجديدها سنوياً حتى تأتي هذه السياسة أكلها يوماً ما. تقارير وفود صندوق النقد الدولي تشير إلى تحسن الاقتصاد السوداني تحت ظل الحصار الاقتصادي الجائر المفروض عليه بواسطة أمريكا تعتبر مؤشراً قوياً على أن عقوباتها سياسية. خلاصة القول: كان ينبغي على الحكومة أن تحظر تداول الدولار بدلاً عن تحرير أسعاره وأن تفك ارتباطها كلياً به. الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر حليفاً لأمريكا استخدم اليورو بدلاً عن الدولار وبإمكان الدول العربية والإسلامية استخدام الدينار أو الجنيه. تقليل الطلب على الدولار يتم عن طريق حظر السفر للخارج للعلاج والدراسة وسفر المسؤولين مع قفل الباب أمام الواردات إلا الأدوية ومدخلات الإنتاج مع الاعتماد في الغذاء على الإنتاج المحلي.أمريكا لا تحترم إلا الأقوياء والرد على غطرستها وعنجهيتها ضد السودان يتطلب صدور قرار جريء باعتبار الدولار الأمريكي غير مبرئ للذمة في السودان!! تحرير سعر الدولار يمثل قمة الفشل للإدارة الاقتصادية التي حان الوقت لذهابها بعد فشل كل تجاربها الاقتصادية. مثلما فشلت دعوة الخروج للشارع فشلت كذلك الدعوة للعصيان المدني التي تأتي في إطار الحرب النفسية. ختاماً: «لا» لتحرير سعر الدولار فهو ليس سلعة و «نعم» لحظر تداوله. وبالله التوفيق.
زمالة كلية الدفاع الوطني ـ
أكاديمية نميري العسكرية العليا