المرتكزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأمن القومي

بهاءالدين-مكاويهناك ما يشبه الاجماع بين العلماء والمفكرين والسياسيين على ان الامن يمثل اهم القواعد التي يقام عليها صرح الحضارات ، وهو المدخل لكل تطور والاساس لكل تنمية ، وقد تناولنا في مقال سابق ابعاد الامن القومي وركزنا بشكل خاص على الابعاد السياسية للامن ، ونود في هذا المقال ان نتناول مرتكزات الامن القومي والمتمثلة بشكل اساسي في المرتكزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
أولاً: المرتكز السياسي :
يشتمل البعد السياسي للامن على جانبين : داخلي وخارجي .اما في الجانب الداخلي فان اهم ما يجب التركيز عليه باعتباره الدعامة الاساسية للامن هو موضوع القيادة السياسية الرشيدة للمجتمع، او ما يطلق عليه اسم الحكم الصالح القائم على المؤسسية .
ويقصد بالمؤسسية السياسية فى أدبيات التنمية السياسية «إضفاء الطابع المؤسسي «Institutionalization» على عمليات صنع القرار ،بمعنى الاعتماد على الأبنية والأطر الرسمية والنظامية مثل البرلمان والأحزاب وجماعات المصالح، وذلك بهدف التخلص من عملية شخصنة السلطة» .
وبالتالي فان المؤسسية تشير الى الدور الكبير الذى تضطلع به المؤسسات السياسية المختلفة فى صنع القرار ،حيث تقوم الأبنية الرسمية ـ وفقاً لصلاحياتها المنصوص عليها مسبقاً ـ باتخاذ القرارات اللازمة لتسيير شؤون الحكم والسياسة ،على أسس موضوعية بعيداً عن الرغبات الذاتية والمصالح الشخصية لصناع القرار ،وذلك خلافاً لما عليه الحال فى أنظمة العالم الثالث التى تعانى من شخصنة السلطة التى تتمحور حول الأشخاص ،وتتضاءل فيها دور المؤسسات التى تصبح ـ ان وجدت – مجرد لافتات وأدوات لتبرير ممارسات السلطة القائمة . وهو ما يشير الى ضعف أو غياب الفاعلية المؤسسية. لذلك اهتم الكتاب والعلماء بتحديد شروط الفاعلية المؤسسية، ومن أبرز هذه الشروط:ـ التكيف مع متغيرات الواقع المجتمعى ، ذاتية الحركة واستقلالية القرار السياسى، الهيراركية التنظيمة والترابط والتنسيق الوظيفى داخل الوحدة . وفيما بين المؤسسات وبعضها البعض .
إن التكيف مع متغيرات الواقع المجتمعى يقتضى حرية كاملة لهذه المؤسسات بحيث تستجيب ـ ذاتياً ـ لهذه المتغيرات .
وتشير ذاتية الحركة واستقلالية القرار السياسى إلى الحرية اللازمة للحركة، وهو يشير الى استقلالية المؤسسة وهى عين «المؤسسية» ، أما فى حالة السلطة المشخصنة «اى المرتبطة بالأشخاص» ،فان المؤسسات ـ ان وجدت- فإنها تكون محدودة الحركة وضعيفة الاستجابة لانها تنتظر الإشارة او الموافقة من صاحب السلطة ،وهذا ما يسمى بغياب المؤسسية حيث تصبح المؤسسات بلا دور.
كذلك فان التنظيم الهرمى يشير الى المؤسسية ، حيث تزداد الصلاحيات كلما ارتقينا الى أعلى الهرم ، و يمثل صاحب السلطة الأعلى قمة الهرم ،وتكون العلاقة بين قمة الهرم وقاعدته علاقة مزدوجة ،حيث تتلقى القيادة المعلومات والمقترحات التى على أساسها يتم إتخاذ القرار الذى يتنزل بذات القنوات التى صعدت بها المعلومات والمقترحات، فى تسلسل هرمى تحدد فيه الوظائف والصلاحيات بصورة واضحة ، ويعرف كل مستوى من المستويات :واجباته وصلاحياته . ويصر على عدم تجاوزه، وتكون له القدرة على الاحتفاظ بصلاحياته والدفاع عنها وفقاً للدستور والقانون، بل يحق لكل مستوى من المستويات أن يلجأ للمؤسسات القانونية إذا تم تجاوزه، أو تم التغول على صلاحياته.
وقد أدى رسوخ المؤسسات السياسية فى الغرب الى ظهور التحليل المؤسسى للظواهر السياسية Institutional analysis والذى يعنى بدراسة العمليات والهياكل السياسية استناداً الى الوثائق الحكومية والسجلات الرسمية للدولة.
وتــرتبط المؤسسية بعدد من المبادئ السياسية الأخرى التى لا يمكن تطبيق المؤسسية بمعزل عنها. من هذه المبادئ : الشـفافية، وحكم القانون، والمحاسبية. وتعد هذه المبادئ – بالإضافة الى المشاركة، والفاعلية، والانصاف ، واحترام حقوق الإنسان- هى أسس الحكم الصالح.
ولئن اختلف العلماء والمفكرون حول إيجاد تعريف مانع جامع للحكم الصالح، لكن هناك اتفاقا على أسس هذا الحكم مثل الشفافية والمحاسبية والانصاف، وحكم القانون، والعدالة «لأن أنساق الحكم الفاسدة… لا تسهر على مصالح الشعب…. ولا تحقق، من ثم، طموحاته فى العزة والكرامة.
وطبقاً للبرنامج الانمائى للامم المتحدة UNDP فى عام 1997م، فهناك تسعة معايير للحكم. هذه المعايير يمكن تلخيصها فى الآتى:ـ
1- المشاركة الفعالة للمواطنين «رجالاً ونساءً»، وكفالة حرية التعبير والانتخاب، وبسط الحريات العامة بشكل اجمالى.
2- حكم القانون : أى مرجعية القانون وسيادته على الجميع دون إستثناء.
3- الشفافية بمعنى توفر المعلومات الدقيقة فى مواقيتها ،وافساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة بما يساعد على اتخاذ القرارات الصحيحة ،ويجب نشر المعلومات بصورة علنية بما يوسع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة، ويخفف من الهدر ويحاصر الفساد .
4- حسن الاستجابة، أى قدرة المؤسسات على خدمة المجتمع بالاستجابة السريعة لمطالبه واحتياجاته.
5- التوفيق : أى القدرة على التوسط والتحكم بين المصالح المتضاربة وهو ما أشار له آلموند بمصطلح القدرة التوزيعية .
6- المساواة بين الرجال والنساء فى الحصول على الفرص لتحسين الأوضاع والارتقاء الاجتماعى.
7- الفعالية : بمعنى القدرة على تنفيذ المشروعات التى تحقق احتياجات المواطنين وتطلعاتهم على أساس إدارة عقلانية وراشدة للموارد.
8- وجود نظام متكامل من المحاسبة والمساءلة السياسية والإدارية للمسؤولين ولمنظمات المجتمع المدنى والقطاع الخاص.
9- الرقابة الاستراتيجية المنطلقة من المعطيات الثقافية والاجتماعية والهادفة إلى تحسين أوضاع الناس وتنمية المجتمع «30».
وهناك من يجادل بأنه لا يمكن تعميم أسس الحكم الصالح بسبب اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى العالم الثالث عن تلك الظروف السائدة فى دول أوربا الغربية، فضلاً عن أن التعميم يعنى عدم احترام الخصوصيات الثقافية للشعوب والمجتمعات .
هذا الاتجاه يؤكد بأنه لا يمكن اعتماد معايير ثابتة للحكم الصالح وتعميمها، بل يمكن أن يحدد كل مجتمع أسس الحكم الصالح له، استناداً إلى أطره الاجتماعية والثقافية وتجربته التاريخية.
وعلى كل فاننا نعتقد ان المرتكز السياسي للامن الوطني ينبغي ان يقوم على الثوابت التالية :
1- ان يعبر النظام السياسي عن كل الجماعة الوطنية «عموم مواطني الدولة» بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية والقبلية والدينية والمذهبية .
2- ان يتيح فرص التعبير الحر عن الافكار والمعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والثقافات بما لا يتعارض مع القيم الدينية والاخلاقية الراسخة في المجتمع .
3- تأطير الحقوق والواجبات الاساسية للسلطة والمواطنين في وثيقة دستورية واضحة تحدد الصلاحيات الممنوحة لكل طرف والواجبات التي تقع على عاتقه .
4- التزام المؤسسية في صناعة القرارات السياسية ومتابعة تنقيذها .
5- فتح قنوات الحوار مع المواطنين وتوفير الاليات التي تمكن من وصول صوت الشعب ومطالبه الى السلطة الحاكمة .
6- تجميع المصالح واتخاذ قرارات سريعة بشأنها «الرد على مطالب البيئة السياسية بالسرعة المطلوبة».
7- العمل على ترسيخ قيم المواطنة الصالحة وتشجيع سبل الحوار الموضوعي وانتهاج الوسائل السلمية في التعامل مع الاخر .
8- التأكيد على ضرورة الابتعاد عن العنف كوسيلة لحل الخلافات السياسية مهما كانت المبررات .
9- اعلاء المصلحة الوطنية على كل ما عداها من المصالح .
10- العمل على تقريب الشقة بين الحكام والمحكومين والعمل على كسب ثقة الشعب من خلال اشراك ممثليه في صنع القرارات الرئيسة في الدولة ، وتعزيز الثقة بين الجماعات المختلفة داخل الدولة .
اما في مجال السياسة الخارجية فيجب التـأكيد على الاتي :ـ
1- الالتزام بحسن الجوار .
2- دفع جهود التعاون الاقليمي والالتزام بواجبات هذا التكامل الاقليمي من قبل الاطراف المختلفة .
3- الالتزام بالمواثيق الدولية والقرارات الصادرة عن الهيئات الدولية التي تكون الدولة طرفاً فيها خاصة في قضايا والتزامات الامن الجماعي تعزيزا للسلم والامن الدوليين .
ثانياً: المرتكز الاقتصادي :
تنعكس الجوانب الاقتصادية على الاوضاع السياسية والاجتماعية، وبالتالي على الاوضاع الامنية . في هذا الاطار ، ومن اجل تحقيق الامن الوطني ، يمكن القول بان النقاط التالية يمكن ان تسهم في تعزيز الامن الوطني :
1- السعي الدؤوب من جانب الدولة والمجتمع المدني والافراد لرفع مستوى المعيشة من خلال زيادة الانتاج وتنويعه وتحسين نوعيته وتوفير مستلزماته .
2- العمل على توفير الاحتياجات الاساسية للمواطنين كونها غدت من اهم مؤشرات التنمية في الاونة الاخيرة .
3- وضع استراتيجية واضحة لزيادة الاستثمار برفع معدلات الادخار وخفض معدلات الاستهلاك .
4- الاهتمام بمتطلبات السوق الاقليمية والدولية في ما يتعلق بالانتاج ، وزيادة قدرة المنتجات الوطنية على المنافسة الخارجية .
5- وضع خطة استراتيجية لزيادة فرص العمل وخفض معدلات العطالة .
6- احكام الرقابة على اعمال البنوك والشركات الاجنبية .
7- الدخول في شراكات اقتصادية اقليمية ودولية بما يحقق المصلحة الوطنية .
المرتكز الاجتماعي :ـ
بالاضافة الى المرتكزات السياسية والاقتصادية التي تمت الاشارة اليها انفاً، هناك مرتكز ثالث ومهم وهو المرتكز الاجتماعي ، وتأتي اهمية المرتكز الاجتماعي من ان الجهود السياسية والفرص الاقتصادية والمقومات العسكرية هي كلها تحتاج الى حاضنة اجتماعية حتى تؤدي دورها بالصورة المطلوبة.
ان المرتكزات الاجتماعية للامن الوطنية تتمثل في الاتي:
1-الاعتراف التام بالتعدديات العرقية والثقافية داخل المجتمعات والتعامل معها على انها من الامور الطبيعية ، مع توفير الاليات التي تمكن الجماعات المختلفة من التعبير عن خصوصياتها الثقافية والاجتماعية.
2- وضع استراتيجية دقيقة وواضحة للتنشئة السياسية وترسيخ القيم الوطنية وإعلاء قيمة الولاء للوطن على سائر الولاءات الاخرى .
3- السعي الى تعزيز الثقة بين الجماعات المختلفة داخل الدولة والعمل على ردم فجوات الاختلاف بين الجماعات الوطنية المختلفة .
4- زيادة قدرات الدولة العسكرية المختلفة وتجهيزها بطريقة تضمن قدرتها على التصدي لاي محاولة تستهدف زعزعة الامن والنظلم .
5- تشجيع قيام واستمرار منظمات المجتمع المدني والجمعيات الاهلية التي تدعم الامن والاستقرار والوحدة الوطنية .
6- السعي الصادق لتمكين المرأة : اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
7- الالتزام بحقوق الانسان وحقوق الطفل وحقوق الاقليات كما جاءت في المواثيق الدولية .
8- العمل الجاد من اجل محاربة الفقر والجهل والمرض ووضع الاستراتيجيات ورصد الميزانيات لتحقيق ذلك .
9- اعطاء اولوية قصوى للتعليم بتوسيع نطاقه وتحسين نوعيته وتطويره بما يتفق والمعايير الدولية في هذا الصدد.