أحزاب وأموال (5)

423(1)
ذكرنا في الحلقة السابقة ان اشتراكات العضوية ظلت عبر الحقب هي المصدر الاساس لمالية الحزب الشيوعي. بل ان تسديد الاشتراك الشهري يعتبر شرطا من شروط العضوية الثلاثة، واولها القبول بالبرنامج واللائحة، وثانيها الانتساب الى منظمة حزبية، فأما الشرط الثالث المعقود بناصية العضوية فهو دفع خمسة بالمائة من دخل العضو شهريا. كما أشرنا الى التردي والتراجع في الوفاء بالالتزامات الحزبية خلال العقدين الاخيرين، وهو أمر لا يطال غمار الشيوعيين وحدهم، بل إن الرقص يشمل ضاربي الدفوف من القيادات في مختلف المواقع.
على سبيل المثال تنص اللائحة على ان يلتزم من يكون عضوا في البرلمان من منسوبي الحزب بدفع مرتبه كاملاً للسكرتارية المالية، على ان يتسلم هو راتبه العادي كمحترف متفرغ بعد ذلك. وقد كان هذا هو الحال مع الأوائل ممن جلسوا تحت قباب البرلمانات وعلى رأسهم الراحل عبد الخالق محجوب نفسه. ولكن أحداً من اعضاء الحزب الذين دخلوا برلمان الانقاذ بعد اتفاقية 2005 لم يلتزم بهذا النص. إذ كان هؤلاء يتسلمون المرتبات والامتيازات وقطع الاراضي، ثم يلوذون بالنسيان. وقد سمى الانسان انساناً لأنه ينسى!
(2)
وقد عاني الحزب الشيوعي معاناة شديدة في السنوات الاخيرة بسبب قلة الموارد المالية اللازمة لمجابهة احتياجاته، حتى اصبحت من  الممارسات الراتبة – قبل وفاة السكرتير العام السابق المغفور له الاستاذ محمد ابراهيم نقد – أن يذهب هو شخصياً لطلب المال من الموسرين من غير اعضاء الحزب. وقد كان بعض هؤلاء – وما يزالون – يبذلون بسخاء. وتذهب حصيلة هذه التبرعات في العادة لتغطية مدفوعات المحترفين المتفرغين والايجار الشهري لدار الحزب. وفي عهدنا الراهن فإن المصدر الاساسي لدخل الحزب، الى جانب تبرعات الموسرين، هو مساهمات الشيوعيين واصدقائهم من المقيمين خارج السودان، وبصفة خاصة السعودية والخليج وامريكا الشمالية واوربا. وفي الطليعة بين هؤلاء شيوعيو بريطانيا العظمي، حيث يتلقى الحزب اكبر ايراداته من انجلترا التي تضم أعداداً كبيرة من الشيوعيين الملتزمين اصحاب الدخول المجزية.
وكنت في وقت مضى قد أشرت عرضاً، ضمن إحدى مقالاتي، الى الدعم الاستثنائي الذي يقدمه للحزب الملياردير محمد فتحي ابراهيم، الذي يرد اسمه بصورة راتبة ضمن أشهر أثرياء العالم في تقرير فوربس السنوي. وقد أحفظت إشارتي تلك بعض الرفاق. والحقيقة أنني لم اكن أول من وضع هذه المعلومة في المجرى العام للاعلام السوداني. وإنما نشرها قبلي أحد اعضاء الحزب الشيوعي المقيمين في بريطانيا، وهو الاستاذ منصور جعفر محمد على بخيت، إذ ضمّنها بطن مقال له منشور على الشبكة الدولية.  ومعلوم أن الملياردير محمد فتحي ابراهيم عضو في الحزب الشيوعي منذ ستينات القرن الماضي، إبان عمله مهندساً في مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية. وكذلك شقيقه الدكتور أحمد فتحي ابراهيم، الذي عمل لسنوات طويلة طبيباً في مركز صحي الكلاكلة شمال الخرطوم.
(3)
تجربة الحزب الشيوعي السوداني في مضمار التمويل الذاتي، برغم انحسارها بآخرة، بسبب من انكسار اليقين في المستقبل الديمقراطي وخيبات النماذج التطبيقية على أرض الواقع العالمي، تظل تجربة فريدة. وهي تجربة تربوية سياسية في المكان الاول، صار بها استخلاص المال من بين يدي العضوية سبيلاً للتعبئة والحشد نحو المراقي، وتلك سمة من سمات الوعي الحركي الاجتماعي الفالح. وربما صح القول ان سوانح وفرص استقامة هذا الجانب في شغل الأحزاب والتنظيمات السياسية الاخرى تقوى وتزداد بتمثل واحتذاء تلك التقاليد الناضجة لأحبابنا المراكسة من حزب بني شوعان، وهي تقاليد عريقة في توطين الالتزام البصير بمعاني المشاركة الحقة. ولايهولنّ أحزابنا الكبرى أن تجد أنفسها امام نداء كهذا يناصحها بأن تأخذ عبرة المسير من عيال ماركس، ففي تراث الممارسة السياسية، كما في الحياة ككل، فإن الله يضع سره في أضعف خلقه. وفي الأثر «الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها».
(4)
وقد وقفت كثيراً وأنا بسبيل تحرير هذه السلسلة على بعض فقرات من مجموعة (شيبون: جمر الجسد، صندل الشعر – عن جيل الخمسينات الشيوعي) لشيخنا الدكتور عبد الله على ابراهيم، ثم على رثاء شيخنا للقيادي الشيوعي الراحل سمير جرجس. وقد أدهشتني من جملة ما قرأت دقة النظم وصرامتها وتقشفها، في زمن بني شوعان الذي مضى، والمتابعة الدقيقة لكل قرش منظور حتي يدخل مدخله أو يخرج مخرجه. كما أذهلتني جسامة التضحيات التي بذلها منسوبو الحزب من المحترفين المتفرغين للعمل السياسي في صبر وايثار نادرين، فقد لجم الحزب كادره من جهة المال وطبّعه بعادة التقشف والتضحية، حتي أنه جعل للمتفرغ أجراً مكافئاً لأجر أدنى العمال.
وقد خطر لى ان ابعث لشيخنا الدكتور عبد الله أسأله ان كان عنده مزيد على ما هو كائن في مساهماته المنشورة، فرد علي برسالة مقتضبة جاء فيهاً: «صفحة الحزب الشيوعي مع المال بيضاء بشهادتي. وأرجو ألا تخوض خوضا». وأنا لا اخوض، بل اُفتش وانقب وأوثق!
غير أنني تفحصت بعض ما سطّر عبد الله عن قومه السابقين فلفت انتباهي أنه كتب مرتين، في موردين مختلفين، عن انقسام الشيوعين في العام 1970 حول قضية مساندة انقلاب مايو. ومن ملاحظاته أن غالبية المنقسمين كانوا من الكادر المتفرغ في الحزب، حتي اطلق على الانقسام لقب (ثورة المتفرغين)، الذين ربما ارهقهم الحرمان المادي وطول البذلان وكثرة التعب والنصب. واغلب هؤلاء جاءوا الحزب أيفاعاً، فمنحوه شبابهم ثم كهولتهم، حتى تفاقم بهم العمر. وشيخنا هو الأعلم بطبيعة الحال، فهؤلاء قومه وهو أدرى بهم. وأتصور ان القوم من المحترفين المتفرعين وجدوا في انتصار انقلاب مايو اليساري (جمّة) من حرّ النضال فخالفوا قائدهم عبد الخالق محجوب وهجروه والتحقوا بنعيم مايو وجنتها، قبل ان تستحيل الى جهنم بعد عامين فقط من نجاح الانقلاب.
وأنا أرجح، ترجيحا تسنده عندي الادلة والقرائن بأن المتفرغين المنقسمين، الى جانب التعب من حياة الشظف، كانت لهم في الأصل مواجدهم الذاتية على السكرتير العام للحزب، فاستثقلوا سلطته، وابتغوا فكاكاً من أسر زعامته الطاغية. ألم يكن على رأسهم معاوية ابراهيم الذي أبعده عبد الخالق عن موقع السكرتير التنظيمي ذي  النفوذ الضارب، وأحاله الى رتبة دنيا سكرتيراً للعلاقات الخارجية؟ ألم يكن بينهم فاروق ابوعيسى الذي عزله عبد الخالق من المكتب السياسي واللجنة المركزية معاً، فانخرط الرجل من فوره في التنسيق مع صديقه رئيس القضاء السابق بابكر عوض الله لتفعيل الانقلاب على الديمقراطية؟ ألم يكن حادي ركبهم أحمد سليمان، الذي أحفظه على عبد الخالق أنه حرمه من عضوية المكتب السياسي؟ وكانت أسهم احمد سليمان قد ارتفعت بعد ثورة اكتوبر حتي كاد ان يتحول الى اسطورة. ولكن الزعيم الحديدي، مع ذلك كله، لم يره أهلاً لعضوية المكتب القيادي في حزب الطبقة العاملة!
(5)
ها نحن – أعزك الله – قد خرجنا من قضية التمويل الى لجج الصراعات التاريخية بين من عناهم شيخنا عبد الله على ابراهيم من المحترفين المتفرغين المرهقين الذين خلبت ابصارهم صولة مايو ووهجها وبريقها. وقد كان ولوغنا في أمر تمويل عيال ماركس لحزبهم هو نفسه خروجاً على المسار العام لوثيقة حبيبنا المحبوب عبد السلام، فاختلط حابل هذا بنابل ذاك.
وثيقة المحبوب لا شأن لها بحزب الشيوعيين السودانيين، فهي تتناول قضية مراجعة وتقويم الأداء العام للحركة الاسلامية – لا الحركة الشيوعية – فما الذي أتى بهؤلاء الى المولد؟ ومال المحبوب بعيال ماركس، ومراجعتهم وتقويمهم؟! هل فرغ من مراجعة أمر قومه من الاسلاميين، ثم تطوع ليراجع ويقوم الرهط من الشيوعيين؟
(نواصل)