حكاية من حلتنا

421دعيت الى منزل عمنا «عبد الوهاب » الذي أولم للجيران والأصدقاء ومعارفه و«من لم يعرف» من عابري السبيل ومن صدف مرورهم بالطريق ، ترك الباب مشرعا ، وقف عليه يتبسم يجزل علامات الود لمن يستقبلهم ، عبد الوهاب قصة سودانية من الكفاح المشرف الشريف ، يعمل سائقا لاحدى رياض الاطفال في النهارات ثم يجر بواكير الليل بمشوارين يستخرج من عائدهما نثار مصاريف بعض الادام وقليل الزاد وطارئات طوارق الليل من فناء مخزون الكهرباء او حصة من اللبن الحليب يكفل به يتامى في طرف الحي يقطنون بناية تحت التشييد تكفل لهم بحاجات الحليب هذا يوم ان قضي والدهم .
، ضخ الرجل العفيف في ابنائه ايمن وحسام روح المسئولية فما شهدناهم في موقف خزي وما تسامع الناس بهم الا في مشرفات المواضع ، باعت زوجته «الكسرة» وحملت حزما من «الجرادل» تصنع في المدرسة المجاورة باول طريق منزلهم الحلوي والدوم وبعض طيبات الارض الحلال ، أسرة حازت رزقا تكلل بالبركة ومن شحيح ذاك الرزق رعت تأهيل الصبيين فشبا شابين في تمام العافية المعنوية ، لطالما افتخرا بابيهما وأمهما وبيت الجالوص الدافئ وظلا مثلا شرودا في الفزعة والعون في المنشط هما العلامات وفي المكره هما المرتجى.
مضت وتيرة الايام تقدم «حسام» للالتحاق بكلية الشرطة ، جمع اوراقه يخرج صباحا يناضل بين مطلوب ومرغوب ، استعان بحار الدعاء حينما مضى في مدارج القبول ، لزم والده الالحاح عند كل فجر ان لابنه حاجة فيسأل المصلين حار الدعاء فيرتج المسجد الصغير بتعابير النداء ، و مضت الايام وتعاقبت مشي الصغير في اثار الباتيرا وعوض بوت كان يوم الخميس للأسرة يوما للاحتفاء بالجنرال الصغير ، حليق الرأس ، وسمته شموس العسكر بذاك السمار الغريب وتلك النحافة التي تظن ان عافية ما سحبت من صاحبها وردت اليه مضاعفة ، كنت التقيه في ايام العودة يختال بالزي الرسمي ، وشت اكتافه علامة طليت بلون احمر يمازج زرقة البوليس وشعاره يتجاذب كعادته الحديث بأدب لم يفارقه كان يحادث اباه او يخاطب غريبا .
الاسبوع الماضي تخرج الفتي «ضابط شرطة» علي كتفه نجمة وعلي عاتقه امانة الأمن والسلام وخدمة الناس ، كل الحي كان حضورا ، لم يغب احد زغاريد النساء غلبت زغرودة أمه ، كنت في موقعي البعيد باستاد المريخ اتفرس حشود المدرجات ، عربا ونوبة ، اناس من الريف وواسطة عقد المدينة ، عجبت لمن يصف هؤلاء بانهم جماعة حزب ، انهم سودانيون وكفى! ، حزب الوطن وابناء الجميع ، الطابور الممتد صفا من العزائم والجسارات للخريجين مع كل ضربة للارجل علي الارض ومس لخشبة الدبشك وسونكي البندقية كان يتناغم مع نبضات بروف والد او ضابط شقيق او عم حضر لاستاد بعربة كارو او أخت جمعت حصيلة صندوق لتكرم عزيزها باكتحال عين في يوم نصر عزيز.
المدرجات لم يبق فيها موضع قدم ، الفرح يتمدد ظلة من الاشواق والدمعات ، رأيت رجالا يبكون ونسوة يغمرهن الدمع ، رأيت أمل الالتحاق بهذا الصف في أعين الصغار ، شرطة السودان من الشعب جاءت وبه تكون ، كان فرح العم عبد الوهاب عظيما ارتدي افخم ثيابه ، احسن التطيب ، استنار وجهه حتي احسست به يعود شابا وريف العمر ، انتظر ابنه يرمقه وهو في حضن أمه ويدها ترتجف اين تضع «الدبورة» ساعدتها بفك ازرار مشجب كتفه ، حتي اقامتها تلمع ويلمع خاطر صبرها ، أما العم عبد الوهاب فقد وقف يهز الفتي ، اقامه بين ساعديه يقول انت الان ملك لهؤلاء الذين ينظرون إليك ومضى.