بعد ارتفاع الأسعار وتحرير الدولار .. التداوي بالأعشاب … أسواق تمضي في الانتعاش

alsahafa-10-12-2016-15-copy
الخرطوم : تهاني عثمان

ثقة مفرطة .. او ربما هي حيلة العاجز وسط ضغوط أخذت تسد الطرقات نحو الأدوية التي تتضمنها وصفات الأطباء ليتجه المرضى وذووهم نحو عيادات بديلة وموازية ، انها العيادات المتخصصة في التداوي بالأعشاب وعلى درجة اقل منها اخذت تظهر في شكل عطارات تجاري الصيدليات الحديثة في طريقة العرض والتسويق ،،، زيادة الطلب على محتوياتها تؤكده مؤشرات انتشارها المتنامي والمتزايد وفق منطق العرض والطلب.
لم تعد العطارات تأخذ شكلها القديم الذي ما ان تدخله حتي تستنشق روائح مختلفة ربما أزكمت انفك او اصبت بشىء من الاختناق تخلق في داخلك سؤالا كيف يتحمل العطار الاقامة لساعات تطول داخل ذلك المكان الضيق ذي الروائح النفاذة ؟
أصبحت أدوية الأعشاب سوقا رائجا وبدائل مقنعة للكثيرين وربما ملاذات يعتبرها البعض آمنة بعيداً عن المضاعفات التي أخذت تظهر جراء تناول كميات كبيرة من العقاقير الكيماوية ، خاصة لدي المصابين بالامراض المزمنة ، وبعيدا عن هذا وذاك نجد أن هنالك من بهرتهم أساليب الدعاية والإعلان التي يتم الترويج لها عبر مكبرات الصوت التي تتعالى في كل مكان ازدحام ، ويتم اختيار محطات المواصلات لتقف فيها تلك العربات التي تسوق لمنتجاتها التي توصف غالبا بقدرتها على شفاء الامراض التي يستعصي امرها على الطب الحديث ليشكل حديث باعة تلك الأعشاب بارقة أمل لدي الكثيرين ممن اصابهم اليأس او سلموا بالابتلاء ولكن هاهي نافذة الامل تشرع في دواخلهم من جديد بأسعار زهيدة تتناسب مع الظروف .

alsahafa-10-12-2016-14موعد مع الشفاء ولكن !
قرب احدى عربات الأعشاب استوقفت مبارك الحسين والذي كان قد اشتري لتوه بعض الأعشاب من العربة ، سألته اذا ما كان قد استخدم هذا الدواء من قبل ؟ فرد بانها المرة الاولى مستطردا : « اذا لم يشف فبالتأكيد لن يضر» ، واضاف ان قيمته لم تتجاوز العشرين جنيها فهو لا يعتبر انه خسر كثيرا حال فشل الوصفة العشبية.وبذات الفهم كان حديث أميرة عبدالله والتي اصيبت منذ اكثر من ثلاث سنوات بضغط الدم ولم تستطع الالتزام بتوجيهات الطبيب وقد اقتربت من العقد الخامس من عمرها ،تقول أميرة ان احدى جاراتها وصفت لها العطارة التي تقع على مقربة من محطة المواصلات وان بها عطار «شاطر» يجيد إعداد الخلطات التي تشفي الكثير من الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر ، وان تلك الوصفات ستغنيها عن تناول العقاقير خاصة التي صارت باهظة الثمن خاصة اذا ما قورنت بسعر الخلطة التي يعدها لها العطار والتي لا يتجاوز سعرها الخمسين جنيها وتكفيها لاكثر من اسبوعين ، كما اقنعتها تلك الجارة انه لا توجد أية اضرار من تناول الأعشاب حتي وان لم تجد نفعا فانها لن تضر بشئ عكس الوصفات الطبية الكيماوية ، في اليوم التالي جاءت أميرة للعطار وأخبرته بمرضها وبالفعل لم يتأخر في اعطائها ما تريد بعد ان حدد لها موعدا آخر للمتابعة .
مجموعة من الكتب كانت تقبع على الطاولة التي تقع في الركن الجنوبي من دكان العطارة ….. بينما كان احدهم يجلس في وسط المكان يحمل أحدها ، يقرأه بإمعان شديد دل عليه زمن الانتظار الذي وقفته وكأنما كان يتابع فقرة لم يشأ أن يقطعها ، طوى الصفحة ، ثم جاء يحادثني ، من خلال حديثه معي والذي لم يتعد الدقائق القليلة أدركت انه قد خبر الكثير من أمر العطارة على الرغم من انه لم يتجاوز العقد الثالث من العمر ، حدثني محمد أحمد الملقب ب « ابو شيبة» أن تعاطيه للعطارة جاء عن طريق التوريث من والده الذي كان في الأصل عطارا وانه رافقه ردحا من الزمان ، وتعلم منه الكثير ولكنه لم يكتف بذلك بل سعي إلي تطوير نفسه من خلال اطلاعه على الكتب المتخصصة في التداوي بالأعشاب والطب النبوي ، وأضاف قائلا : « لدي مكتبة متكاملة من الكتب التي تتناول استخدامات الأعشاب في الطب وكيفية استخدامها وفوائدها للجسم حتى للوقاية من بعض الأمراض وليس في مجال الطب والتداوي فقط» ، ويضيف محدثي انه بفضل الإطلاع تمكن من تطوير المكان وأن يوسع مدارك فهمه فيما يختص بالأعشاب ومقادير استخدامها .
العطارة الحديثة :
في ركن قصي بأحد الأسواق الشعبية في ضواحي الخرطوم ، دخلنا إحدى « العطارات » التي أخذت توحي إلينا بضيق رقعة المكان على اتساعه ، وشيخ كسا رأسه الشيب وقد تجاوز عمره السبعين عاما ، يتحرك بكل حيوية داخل المكان يعطي هذا ويصف لآخر ويحدد لتلك بأن تأتيه في موعد لاحق ليعد لها الخلطة التي وعدها بإعدادها ويصف لآخر الطريقة التي يجب أن يلتزم بها في العلاج، بل يذهب إلى ابعد من ذلك فيحدد له العشرة أيام موعدا يلقاه فيه ليعرف منه جدوى العلاج ويعطيه علاجا غيره ، وبعد قرابة نصف ساعة من الزمن كنت أراقب فيها ما يجري .
استطعت أن اتحدث إلى الحاج عمر الأمين الذي قال لي: « اعمل في العطارة والعلاج بالأعشاب منذ أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، وقد اكتسبت خبرتي في هذا المجال من خلال وجودي مع والدي والتصاقي به، فتعلمت منه ما يكفي لدخولي هذا العالم. ولكن دعمت ذلك بالتعلم من خلال قراءة الكتب الخاصة بالأعشاب والطب النبوي، وكيفية تحديد المقادير وخلطها، وكمية الجرعات، وفي زحمة ذلك المكان لم يكن بامكانه التحدث إلينا بأكثر من ذلك، حيث ان هناك من يقف في الانتظار.
ولكن لم يقف الأمر عند تلك العطارات، بل تمدد عند من عملوا على ترقية المكان والمعروضات وتعديل التخزين والاستعانة ببعض الوسائل الحديثة، ليطلقوا عليها مسمى عيادات للتداوي بالأعشاب والحجامة وتركيب الوصفات العلاجية والوقائية عند البعض، ففي السوق العربي كان لنا حديث مع إحدى العاملات في هذا المجال، فداخل إحدى العيادات تحدثنا إلى أميرة حسن التي بدأت حديثها لنا بقولها: « معظم الدول المصنعة للعقاقير الطبية وعلى رأسها الصين تتداوى بالأعشاب والإبر الكهرومغنطيسية، واشتهرت الصين ببراعتها في الطب الطبيعي الأصيل، وربما يعود ذلك إلى أن الأعشاب فيها تنمو بطريقة طبيعية، ونحن في السودان لا نملك سوى أنواعا بسيطة من الأعشاب الطبية، وحتى هذا القليل لا يجد العناية والاهتمام ، وأغلب الأعشاب التي نعمل بها مستوردة.. وقد دخلنا هذا المجال متأخرين وراج استخدامه بعد ان لمس الناس فوائد الأعشاب باعتبارها طبيعية وآمنة ولا تسبب آثاراً جانبية سالبة، والآن ارتفعت نسبة الاقبال على العلاج بالأعشاب إلى اكثر من 70%».
وعن كيفية تحديدها للوصفة المناسبة تقول: اعتمد على شكوى المريض في تحديد آلامه وأعراض المرض، وفي بعض الحالات الجأ الي الفحوصات والتشخيص ، واحيانا أطلب من المريض اجراء بعض الفحوصات والتشخيصات للتأكد من الحالة المرضية ، وفي مجال الأعشاب نجد ان العشبة الواحدة متعددة الفوائد، وقد تستخدم في علاج أكثر من مرض.
أعشاب مستوردة :
وتضيف ان بعض الأعشاب المعمول بها في مجال التداوي يتم استيرادها من الخارج تعتبر أوراق الزيتون وزيت ثماره من أهم وأكثر الأعشاب المعمول بها لفوائدها في أمراض السكر وتخفيض ارتفاع ضغط الدم، ويستخدم في علاج معظم أمراض التهابات المسالك البولية، ويتم استيراده من سوريا ولبنان ، كما نستخدم عشبة البابونج المساعد في علاج تقلصات المعدة والانتفاخ وغيره، من خلال تناوله مشروبا ساخنا مثل الشاي . ومن دولة الصين نستورد الجينسنج المساعد على تكوين الهيموقلوبين في الدم وفتح الشهية. ومن شمال افريقيا وآسيا يتم استيراد حبة البركة وهي « دواء كل داء» .
ولأن معظم هذه الأعشاب يؤتى بها من الخارج تقول أميرة: إن هنالك تجارا يعملون في مجال استيراد تلك الأعشاب من أماكن انتاجها وبكميات كبيرة، ومن ثم يتم بيعها وتوزيعها. وختمت حديثها بالقول: إن خبرتها في هذا المجال حوالي ست سنوات اكتسبتها عن طريق التعلم على أيدي خبراء في هذا المجال، ولازالت تقرأ وتتابع الكتب والمؤلفات في التداوي بالأعشاب.
سموم منتشرة :
عثمان أحمد صيدلي بإحدى صيدليات جنوب الخرطوم قال في حديثه « للصحافة » :ان جميع الأعشاب الموجودة في الاسواق سامة ويجب التعامل معها بحذر خاصة وان غالبية العشابين ليس لهم دراية بتحديد الجرعة العلاجية المناسبة ما قد ينعكس على صحة المريض .
واستدرك بالقول: مع ان بعض العشابين تمكنوا من تطوير انفسهم من خلال الانضمام للاتحادات من اتحاد العشابين واتحاد الطب الشعبي وتلقي العلوم الا ان الغالبية العظمى منهم لا علاقة لهم بالاتحاد والعلم والشهادات .
تصاعد أسعار الأدوية وضيق الحالة الاقتصادية قد يجعل من الكثيرين يرمون بأحلام الصحة والعافية، لكن على ما يبدو أن قضية الأعشاب أصبحت بعيدة عن الرقابة في وقت وجدت فيه الإقبال من العديدين نتيجة الظروف الاقتصادية واختفاء العديد من الأدوية من الصيدليات او ارتفاع أسعارها ، فهل تكون هي الملاذ الآمن أم الجحيم المستعر ؟