محمود الجراح رائد قصيدة النثر

د. أحمد محمد البدوي

د. أحمد محمد البدوي

1
معاوية محمد نور يشمخ في طليعة التبشير في صدارة التعبير عن مفهوم النثر الذي يتسامى نسيجه حتى يصعد الى أفق الشعر .
وجاء الشاعر التجاني يوسف بشير عام 1931م وصنع نموذجا لهذا الرونق الجديد ، فكتب في جريدة « ملتقى النهرين «
« الصحافة يا بنت السماء ونزيلة الأرض ، انها فكرة نبتت على ثرى المريخ فحصدتها الملائكة ثمرا ونثرتها على الأرض فجاء التقطها أول مارٍ على الطريق الأقدس « .
هذا منشور يوم 2/8/1931م ، وبعد عام ظهرت مجلة النهضة ونشر محمد عبدالوهاب القاضي في العدد الصادر يوم 3 / 1 / 1932م ، فقال لست أريد أن أقول كما قال بعضهم « ان الصحافة بنت السماء ونزيلة الأرض وأنها فكرة نفذت الى قلوب البشر « ، فأنا أعرف أن هذه كلمات جوفاء « فجة فارغة » ان دلت على شئ فانما تدل على جهل مطبق .
الحقيقة تدق عن أن يصل اليها ومن ثم يهرب الى الخيال يستوحيه ببديع الجمال ورائعة الألفاظ ولتكن شائهة سقيمة لا تكشف عن معنى .
وما رآه عيبا وسخفا من استيحاء الخيال وبديع الجمال والمعنى غير المحدد ، هو صميم مفهوم قصيدة النثر الان ، ودلالة على محاولة التجاني التي تشمخ في صدارة الريادة ، ولعله لم يكن بتكرارها .
2
قرار عبدالله حامد الأمين وأدونيس واخرون وطه حسين في منزله في القاهرة عام 1966م فكتب « سأل الشاعر أدونيس طه حسين عن رأيه في الشعر المنثور فقال طه ان في ذلك محاولات قديمة وان القارئ لبعض رسائل عبدالحميد الكاتب على لسان مروان لوالٍ من ولاته على ايران سيرى أن هذه الرسالة هي حل نثري لقصيدة من قصائد أوس بن حجر الجاهلي ، وأنها أشبه بالشعر لولا أنها منثورة ، ونستطيع نحن أن نسميها شعرا منثورا ولا بأس أن نكتب قصائد نثرية « الأيام 11/11/1966م « .
المشروعية مستمدة هنا من باطن الأدب العربي وفي قديمه ، أما معاوية فلا ريب في أنه استمد مقومات فكرته من الحداثة الغربية .
3
من المفاهيم الشائعة في النقد الأدبي وهي موضع اقرار ، أن الشعر العربي بدأ وليدا غضا في بيت من هنا وبيت من هناك ثم بيتين أو ثلاثة مقطوعات ، وكل ذلك يرد عفوا وتلقائيا من أناس مختلفين في شئون متنوعة ، ثم حدثت النقلة التاريخية من حيز الكم الى براح النوع بأيلولة النتاج النحيل « زغب الحواصل « الى معمار ضخم فخم متنوع وهو ما يسمى ب « تقصيد القصيد « وهذا ما فعله أمرؤ القيس في اللاميتين وجيله ورصفاؤه مثل تأبط شرا وما صنعه أبو النجم العجلي في مضمار « الزجر « .
وهذا يعني بالضرورة ظهور الشاعر المثقف المحترف متجاوزا مرحلة العابرين والهواة .
حقا هذا ما فعله محمود الجراح ، على الأقل في حدود التجربة السودانية وان كنا نعي تماما مكانته في التجربة العربية .
وعندما عبر طه حسين عن ارائه في ستينيات القاهرة من القرن الماضي كان محمود الجراح يصدر قصيدة النثر في دواوين مطبوعة وهو طالب ، وتكتسب رونقها من الاخراج المتميز الذي حباها به عثمان الخير الطالب في كلية الهندسة جامعة القاهرة مثل كتابه « غلادة الصمت « ويكتب عنه من المصريين لويس جريس ، وعبدالمنعم الحفني ، وصلاح عبدالصبور ، وحجازي ، وتناولته الأيدي بالفرح والدهشة والجدال .
والجراح صحفي محترف على مدى عقود ، وعندما أخرج دواوينه كان متمكنا من لغته تمكن الدارس المتفحص لألفية بن مالك ، والمتدبر لكتاب الله ، والمتذوق للشعر ، والواقف على الأدب الحديث ، والمتخصص في الفلسفة ، وزينة المجالس .
أكتب هذا وأنا أتملى في المشهد قصيدة النثر تروج بالضجيج والعجيج ، وسخونة الظأر النافر ولا أحد يذكر الجراح ، كلهم يرون أن كل شئ بدأ بهم وبهن ، حتى أنت يا قصيدة ذات منزع حديث موبوءة بالشلة والشلل والقبلية الثقافية مصابة بداء العقوق والنكران ، والجراح مظلوم فهل هو محارب أيضا .
وعلى أي حال نردد مع الجراح قوله:
تكون ضوءا يلسع الديجور بالنور
نسير نقود في نفوسنا أشياءنا التي تكبر
ونفتح عيوننا على الزمان أكثر