« بحر»

421كنت على موعد مساءً مع طبيب ، مضت ساعات العمر وبدت إرهاصات تدابير الفناء ، صعدت للدرج المؤدي الي عيادته ، بالطابق الثاني ، جلست في فراغ المكان اتأمل طلاء الجدران اللامع ، لحظت ان الزبائن قلة ، ربما من تمام العافية وربما من أسباب اخرى ، حضر الطبيب ، بدا مرهق الخطو ثقيل المشي ، يومه كان شقيا قطعا ، دخلت عليه ادرنا حديثا مختصرا ، ساءني في البداية اني مددت له يدي مصافحا فتركها في الهواء والتقط «كرت» المقابلة ! امرني بالاستلقاء في ركن خصصه خلف ستار ، مسح صدري وبعض بطني بملمس مقدم «السماعة» كان باردا مثل أنف كلب ! حتي اني غصت في مرقدي وكدت أن أقد الحشية ، طلب مني النزول ، هبطت منشغلا بالبحث عن فردة حذائي أعيد سد منافذ الازرار.
جري قلمه بتلك النصوص العجفاء ، يفك شفرة علتي حبوبا ومشارب ! غادرت المكان لم أقصد الصيدلية أحصيت ما معي من مال فاثرت السترة ، قلت اليوم روشتة وغدا خمر وشفاه وفك عسرة ، خرجت اشق كثافة شارع مستشفى الخرطوم العتيق ، مرافقون ومرضى وعويل سيارات إسعاف تتوقف لتلفظ مريضا او تستلم جثة ! أحسست بها جزءا من سنوغرافيا المشهد الليلي ! كانا « هي وهو » يتقدماني ، سيدة في تمام النضج وبهاء الماجدات ، ثوبها لف بعناية صانت شرف اطلالة الطريق وكان هو صبيا راجح سني عمره يضعه في حواف الثامنة عشرة ، بينهما يتهادي شيخ فانٍ ، بالكاد يسير يدنو من السقوط فتلتزمه السيدة ويلتقط ضعفه الفتى ، بستند العجوز واظنه والدهما علي السيدة برأسه فيما كانت يده تتعلق برقبة الابن الصغير.
يرفل العجوز في جلباب هو عراقي وحذاء اسود كشف عن قدم عليلة ، لحظت ان الزحام انفج عن كرام الناس ، حينما رأوهم ، لحقت بهم وفي اثري ربما ستة فتيان ورجل ، الكل يحمل الشيخ كوالد ، ضج المكان بالمرؤة حتي ان السيدة تراجعت حائرة ، أشارت الي مدخل مركز طبي بالانحاء ، حمل اليه والدها مثل عريس علي محفة سلطان ، وقفت هي تمسح عرق الامتنان ، اوصلنا اباها الي مجلس في بهو عريض ، يلهج لسانه المترجرج بشكر متهدج الانفاس للحاضرين ، لم ينس معه ان يتلفت صائحا يا «سناء» خرجت من بين الحشود مثل هلال ، شهق لها الطيف والواقع ، جميلة جمال رصين الهيئة ، وكانت بارة بابيها الذي امسك بيدها كأنه يطلب بركة قديس وهي تصلح طرف جلبابه وتمسح رأسه بحنو امه ، وهو تدب فيه العافية مع كل مسرى وممشى من يدها علي خصله البيضاء النافرة ، كانت ليلة بر ، عافتني وشدت روحي عزما حتي اني نسيت اني لم اشتر الدواء.
هذا شعب يمارس عفوية انتباه الصالحات وإفتراع المكرمات ، في كل ركن وزاوية ومفتتح طريق مشهد من النبل الوسيم ، قد نعبرها دون التفات لكنها تظل حاضرة لمن يلقي النظر والسمع وهو شاهد وشهيد.