إلى فهمي هويدي.. للسودان قصصٌ مغايرة

سيف الدين البشير

سيف الدين البشير

في مقاله بتاريخ الخامس من ديسمبر بالـ»شرق»، تحت عنوان: «إرهاصات الربيع في السودان»، أصاب الأستاذ فهمي هويدي وهو يستبعد إرهاصات الربيع بمدلوله المصطلحي عن السودان. وهو أصاب أن نفى عن السودان إراقة الدماء.. لكن الكاتب الكبير عاد وأفلت السياق الموضوعي وهو يتناول العصيان المزعوم وأزمة الغلاء، ومضى متعجلًا يستغرق في عمومياتٍ قد لا تليق بمفكرٍ في قامته، ولا في حق بلدٍ تتاح فيه المعلومات لطالبها كمتاح ابتسام أهل السودان في وجه الضيف.
.. أما قوله بأن «أخبار العصيان لم تحاصر داخليا فقط، وإنما عربيًا أيضا إذ كان النشر شحيحا عنها في وسائل الإعلام العربية»، فهو دلالةٌ على أن الوسائل لم تجد ذلك الواقع الذي توهمه أو تحرَّاه هويدي.. وهو كأنما يحرِّض الإعلام على تبني حدثٍ لم يحدث من أساسه.
ومن العمومية بمكان أن يزج الكاتب في سياقه بمفرداتٍ هي نسبياتٌ ممتدة أحرى بها الناشطون لا المفكرون من حيث افتقارها لمحدداتٍ قطعيةٍ من شاكلة: «قمع الحريات» و«التنكيل». ثم يتحدث عن مصادرة الصحف ويبدو أنه لا يقرأ صحف السودان ليدرك أن متاحَ حرياتها يتجاوز جلَّ السائد في عالمنا العربي.
ثم يقرر الكاتب أن «غضب الجماهير السودانية عبرت عنه أبرز القوى السياسية أحزاب الأمة، والاتحادي الديمقراطي والمؤتمر إضافة إلى بعض النقابات المهنية».. أما أن تلك الأحزاب هي «أبرز القوى السياسية»، فتلك خلعةٌ يكذبها الواقع، ويكفي أن ننبه الكاتب إلى أن حزبي الأمة والاتحادي تشظيا لعدة أحزابٍ من بينها – بل ربما أبرزها – من هو شريكٌ في الحكومة الماثلة، حيث النجل الأكبر لرئيس حزب الأمة الصادق المهدي هو مساعد رئيس الجمهورية، كما أن الحزب الاتحادي بزعامة الميرغني هو شريكٌ في الحكومة. أما النقابات فليته ذكر واحدة أعلنت العصيان، أو مرفقًا واحدًا تعطل دولابه خلال العصيان المتوهم.
وهنا نربأ بالمفكر الكبير أن يفوته أن وسائل الاتصالات وتقاناتها أحالت – في أحد جوانبها – العالم لكون مُتَوَّهَّمٍ تشوشه أخلاطٌ متناقضةٌ ما بين المثالية وشيء من الشعبوية أو الديماجوجية لتحيله لكونٍ أقرب للتوهم منه للافتراض وجاز لنا أن نطلق عليه «العالم الوهمي» عوضًا عن «العالم الافتراضي».
عندئذٍ فإن دعوة الاعتصام أو سمه الإضراب قد مثلت هرمًا من الزبد تضج به مجموعةٌ أتيحت لها الهواتف الذكية وشبكة الإنترنت بمعزلٍ عن أغلبية العُزَّل من تلك الميزة.. وطبيعي أن هويدي لم يستفتهم.
وهو يخوض في شأن السودان، ليت الكاتب أحصى ما للسودان وما عليه إحصاء العارف المتجرد إذن لالتمسنا له العذر.. ليته وهو يخوض في الضائقة الاقتصادية تناول الحرب التي أنهكت اقتصاد السودان طوال ستة عقودٍ بين الجنوب ودارفور وكليهما مصنوعتان في مطابخ إسرائيل ومن والاها.. ليته حفظ للسودان أنه وقف جهده لمناصرة أشقائه العرب وخاض مع مصر كل حروبها ضد ذات العدو في حين خذَله الأشقاء ومن بينهم مصر طوال حروبه من الجنوب وحتى دارفور ضد قوى مدعومة من ذات العدو.
ليت فهمي كتب عن عقوبات أمريكا وآثارها على السودان، وطالب العرب بمناهضتها، بل ليته امتشق قلمه لردع التهم المكذوبة من أمنستي، ومن محكمة الجنايات ومن شايعهما.. نقول للكاتب الكبير إن الأحرى بقلمك أن ينحاز للسودان لا لحملات فرانك وولف، وبريندرغاست، وجورج كلوني وميا فارو، أو عوضًا أن تصمت عنا وفي الإقليم متسعٌ من جسام الحادثات.
صحيحٌ أن السودان يعاني من ضوائق اقتصادية، لكنه ليس خروجًا على عالمٍ تصرخ قوته العظمى بأن ديونها بلغت 20 تريليون دولار، فيما يعاني الجنوب الأوروبي مبلغ أن أصبح رهينًا لدعم شمال القارة، ولئن ابتلينا بالفاقة فقد ابتلي غيرنا بها أضعافًا وبهواجس خوفٍ يقض مضاجع الرُضَّع فيما يخلد أطفالنا لمخادعهم آمنين.
أما ما أيقظ عجينة البراكين وجينة الأدرنيالين في الخلايا فهو خاتمة المقال: «يضع سره ــ أحيانا ــ في أضعف خلقه».. السودان فقيرٌ إلى الله، قوي به.. هذا القوي بربه – يا رعا الله ذاكرتكم – هو من شارك في حروب الأعوام 1948، 1967، 1973.. هو من صالح بين الراحلين الملك فيصل وعبدالناصر في مؤتمر اللاءات.. وهو من سعى لمقايضة الغردون بعرابي.. السودان أقوى من محض مقالٍ حتى وإن يكن بقلم فهمي هويدي.. أما ربيعه فهو معرفة الصبر وصبر المعرفة .