الاقتصاد الوطني في خضم الإصلاحات

 نبيل التاى

الاوضاع الحالية والازمات التى يمر بها الاقتصاد الوطني ربما لا تختلف فى مضمونها واسبابها عن تلك الازمات التى واجهت كثيراً من الدول فى ظل العولمة والانفتاح المالى خاصةً الدول الصاعدة فى جنوبى شرق آسيا وامريكا الجنوبية وحتى الدول المتقدمة مثل اليابان واميركا . فقد فرضت العولمة على الدول الاسس والمعايير والاعراف الجديدة فى مجال المعاملات المالية والتجارية. وعادة ماتحدث هذه الازمات بسبب الجمود فى القطاع المالى وركود فى الناتج المحلى للدولة . وتعرف هذه الازمة فى الفكر الاقتصادى بفخ السيولة او الركود التضخمى. وتحتاج الدول للقيام باصلاحات مالية وسياسية وإعادة هيكلة فى موازناتها العامة وفى نظامها المصرفى ومؤسساتها الحكومية من أجل استعادة النمو الاقتصادى.
تحدث هذه الازمات عادة بعد فترة رخاء وإنتعاش اقتصادى فى الدولة ربما تطول او تقصر حسب قوة اقتصادها وبعد دخول رؤوس الأموال والاستثمارات خاصة الاموال قصيرة الاجل وسريعة التذبذب ثم تخرج سريعاً عبر القنوات الرسمية فى الدول التى تتبنى سياسات الانفتاح المالى او عبر تهريب الاموال فينضب الرصيد الاحتياطى للدولة . ومن المؤشرات الرئيسة لحدوث هذه الازمات هى تدنى رصيد الدولة الاحتياطى ، وتدهور قيمة العملة الوطنية أمام سلة العملات . وهبوط سعر الفائدة الحقيقى ، وزيادة نسبة الديون الهالكة فى المصارف وتدنى نسبة التمويل المصرفى طويل الاجل ، واحتفاظ الافراد بمدخراتهم فى شكل اصول او الذهب او الدولار خارج المصارف بسبب ارتفاع معدل التضخم ما يضعف دور المصارف في تمويل انتاج القطاع الخاص. ومن الاسباب الرئيسة فى حدوث مثل هذه الازمات هى قيام الدولة بتنفيذ برامج طموحة فى ظل توفر رصيدها من النقد الاجنبى خاصة فى قطاعات العقارات والاسكان والتوسع فى سد احتياجات هذا القطاع كالمعدات والحديد والصلب مع خفض الانفاق الحكومى فى تطوير الخدمات العامة والبنيات التحتية وغيرها من بنود الصرف التى تدعم التوسع فى الانتاج فى القطاع الخاص . ومع ارتفاع قيمة العملة الوطنية فى مستواها غير الحقيقى امام الدولار وغيره من العملات الاساسية تزداد فاتورة الواردات وتنخفض قيمة الصادرات ويتدنى بالتالى حجم الناتج المحلى الاجمالى ومعدل النمو، كما يتدنى مستوى الارباح وسعر الفائدة الحقيقى وتصبح الاستثمارات فى الدولة غير مجزية وغير منظورة النتائج .
وربما يكون للمصارف دور كبير في حدوث مثل هذه الازمات اذا لم يكن التمويل المصرفى مواكباً لإستراتيجية الدولة في تحقيق اهداف استقرار الاسعار وهو موجهاً وبصفة اساسية نحو العقارات والاراضى والتمويل التجارى قصير الاجل وفى تشجيع استيراد الكماليات من السلع او تمويل الشركات والافراد فاقدى الجدارة الائتمانية وتزيد بذلك نسبة الديون الهالكة او احتمالات الافلاس ما يضطر الدولة لدعم هذه المصارف وإنقاذها وبالتالى يتزايد حجم المديونية العامة وينذر هذا بوقوع الازمات . وهنالك مقولة مشهورة لرئيس دولة الاكوادور جوليو ماريا عام 95 عقب الازمات المالية التى اجتاحت دول امريكا الجنوبية ينتقد فيها اداء البنوك فى بلاده وهو يقول بأن النظام المصرفى سوف لن يقودك فى النهاية الى الجنة ولكنه يمكنه ان يدفنك فى الجحيم فى نهاية النهار . وبالتالى فإن ازمات الاقتصاد الوطنى تكون من نفس هذه الازمات وقد حدثت نتيجة لإنفصال الجنوب وتدنى أسعار النفط عالمياً وتحتاج لمعالجة فعالة.
وأريد فى هذا السياق الرجوع للتجربة الماليزية فى الاصلاحات التى قامت بها فى منتصف الثمانينات بعد الازمات الاقتصادية التى صادفتها والخطوات الجبارة فى استراتيجية «85ـ90» التى قامت بها والتى اعادت الاقتصاد لوضعه الجيد وذلك وفقاً لما حصلت عليه من تقارير صندوق النقد الدولى.
أولاً : قامت السلطات هناك بالسعى لخلق المناخ المناسب لجذب الاستثمارات المحلية والاجنبية ورأس المال الحر المباشر وذلك بمعالجة القضايا المؤسسية الشائكة الخاصة الضرائب والحوافز التشجيعية والتشريعات الخاصة بإعادة هيكلة الموازنة العامة ، وفرض القيود على الواردات ، وكل القضايا التى تحتاج لمراجعة دائمة وفك الطلاسم الخاصة بالتشوهات فى اسعار السلع وتكاليف الانتاج وغيرها من الاصلاحات اللازمة لتحفيز الانتاج وزيادة معدل النمو الاقتصادى وتشجيع دور القطاع الخاص .
ثانياً : قامت السلطات الماليزية بتخفيض سعر صرف العملة المحلية بدرجة كبيرة مقابل سلة من العملات مازاد قدرتها التنافسية فى عالم التجارة والمال وجذب الاستثمارات من الخارج فى دولة كانت تتبنى سياسة الانفتاح المالى والتجارى. وقد ادى ذلك فى الحساب الجارى . كما قامت بكل الخطوات اللازمة لتخفيض حجم الدين الاجنبى بهذه الاصلاحات بعد زيادة الاستثمارات من الخارج وتركيز الاسعار خاصة سعر الصرف وسعر الفائدة الحقيقى، وانخفاض فى مستوى الدين العام.
ثالثاً : وضع استراتيجية خاصة لتحسين أداء الموازنة العامة للدولة للحد من التضخم والدين العام وتهيئة المناخ للقطاع الخاص وبزيادة حجم الانفاق على الخدمات العامة والبنيات كالتحتية، وضبط الانفاق العام كذلك بالحد من التوظيف فى قطاع الدولة وتجميد الزيادة فى المرتبات وغيره من الخطوات اللازمة لتوجيه الموارد وخصخصتها نحو استقرار الاسعار وزيادة معدل النمو فى الناتج المحلى. كما قامت السلطات هناك بمراجعة مالية المؤسسات العامة للحد من اعتمادها على الدعم من ميزانية الدولة باعادة هيكلة هذه المؤسسات بتجميد نشاطها او تخصيصها للحد من المديونية. وقد ادت هذه الاصلاحات الى اعادة اقتصاد ماليزيا لوضعه الطبيعى.