كُوار الحكم الاتحادي

480عبارة كُوار في المثل السوداني المعروف ( حساب ولا كوار) تعنى البيع الجزافي الذي لا يستند على معايير أو مقاييس أو مكاييل أو أوزان، وإنما يتم على طريقة بيع قرع ود العباس (عشرة بي قرش ومية هوادة ) ،إذ أن مثل هذا الضرب من الحساب والبيع يعتمد على مزاج البائع وحالته النفسية فتتراوح عمليات بيعه ما بين ( السركنة والزرقنة )، إما أن يتسركن مع الشاري أو يتزرقن تبعاً لمزاجه وحالته النفسية لحظة البيع…
استدعى هذا المثل إلى ذهني انعقاد مؤتمر تقييم وتقويم تجربة الحكم اللامركزي ،ومن قبله شكوى وزير الحكم الاتحادي من الأعداد المهولة للمحليات ، فالناظر لتجربة هذه الصيغة التي لا خلاف عليها من الناحية النظرية ،يجد أنها قد هزمت عمليا وفعليا على الأرض ، فما حدث منذ إقرار صيغة الحكم الاتحادي في جهات البلاد الأربع وحتى يومه هذا الذي استلزم اقامة مؤتمر لتقييمه وتقويمه ، يقف كأكبر دليل إدانة على التطبيق الخاطئ للحكم الاتحادي وشاهد إثبات على ( الشلهتة) التي ضربته حين أصبح عرضة للهوى السياسي والسلطوي والرغبة القبلية، فبات حاله مثل حال الكلب في الآية الكريمة إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وهكذا ظل الحكم الاتحادي في حالة لهاث مستمر إلى أن بلغ حاله لو اجتمع سكان خمس قطاطي وثلاثة درادر وراكوبتين وأبدوا رغبتهم في إقامة محلية لهم وصادفت هذه الرغبة هوًى في نفس السلطة وتساوقت مع تكتيكاتها  لنالوا مرادهم، وبذا إنداح الحكم الاتحادي فأصبح سداح مداح، يقوم على الكوار لا الحساب، وعلى المحاصصة والترضيات لا على العلم والحاجة الحقيقية، ولدفع الشر عن الحكومة وحزبها وليس لجلب الخير للمنطقة وأهلها كما في حالة رفع ولايات دارفور إلى خمس ، وفي أسوأ توقيت هو الوقت الذي تعاني فيه البلاد من ضوائق عديدة لا يُفهم في ضوئها إنشاء أي ولاية جديدة تحتاج إلى بنيات وصرف وتجهيزات وإعدادات إلا على أنه مخارجة على نهج أسلوب ( عدّي من وشي ) وبذلك تلقي الحكومة بالتبعة على أهل الاقليم ليتلهوا عنها بصراعاتهم البينية التي ستنفجر لتلعب بعد ذلك دور الحكيم المشفق الحادب الحنون،كما تقف ولاية غرب كردفان كأوضح نموذج على الذبذبة والشلهتة بعدم استقرارها على حال ، تظهر وتختفي حسب الحالة السياسية لمن بيدهم الأمر، يقولون لها كوني فتكون، ثم في حالة أخرى مناقضة للأولى يشطبونها من قائمة الولايات ويلحقونها بولاية جنوب كردفان وهكذا دواليك ، ولهذا يبقى المأمول والمنتظر من مؤتمر تقييم وتقويم هذه التجربة التي نيف عمرها على العقدين ، أن يعكف بجد وعزيمة وارادة ماضية على تصحيح مسار التجربة وتقويم إعوجاجها على أساس علمي وعملي وليس على قسمة سياسية وقبائلية قد ترتد بالبلاد إلى عهود السلطنات والمشيخات…