الديوان.. لمبة الحوش الوسيع:القرى نورت.. وضاع النفاج وتحتاج لمفتاح جديد..

الخرطوم – الصحافة: أبو الريان
alsahafa-16-12-2016-33أقصد هنا بالحوش السوداني، المساحة الممتدة التي تبنى فيها (بيوت) عبارة عن غرف، وديوان و(برندة) أو رواكيب، تستخدم عند القيلولة ونهار الصيف..!
الحوش هو على أربع جنبات يكاد يبلغ عند بعض الأهالي في ريفنا والقرى حوالي (300) متر.. هذا الحوش ربما يتحمل أسرا أخرى أولادا وبنات إلى جانب ما يسعون من الدجاج.. والأغنام، وربما الأبقار والدواب.. خاصة في مناطق الشمال.. ولكن مع تكرار الأمطار والفيضانات التي شهدتها الشمالية تقلصت مساحة الحوش وضاع (النفاج) الذي كان يربط بين بيوت الأسرة الواحدة الممتدة، أو الجيران عن (قرب).. النفاج كان يقلل المسافة بين البيوت دون أن تستخدم الشارع لتصل إلى جارك، عند الحاجة الماسة مثل تبادل الطعام، أو عند (ونسة القيلولة).. وغير ذلك..!
الحوش، قائم، لكن مساحته تقلصت بعد الدخول في مسائل التخطيط الفردي حتى في مناطق الشرق والغرب.. وأواسط الجزيرة.. هناك (الحيشان) هي سترة لكل شيء من فرح، إلى ترح.. لم يعرف أهل (الحوش) صيوانا أو خيمة.. بل كان الديوان عند الكثيرين إلى اليوم هو المضيفة.. هو الغرفة الواسعة ذات العناقريب أو السراير أو البرش الممتد وكميات من الأزيار، والمياه والخدمات الأخيرة، بوجباتها عند اللحظة التي فيها.. هناك في الخرطوم عاصرت وشهدت بعض (الدواوين) لأصحابها على مدار اليوم، تستقبل الزائرين ولهم ما يشتهون.. رغم (ضيق) المساحة، إلا ان الكرم والتهليل لاستقبال الضيوف حتى منهم من هم زائر.. وعابر سبيل ولكن..!
هذه الحيشان، لم تكن مهملة أو هي رغم (تقلص مساحتها) لم تهمل.. المرأة ست الحوش ترهق نفسها كل صباح في النظافة، خاصة (حوش الديوان).. ومعها (بناتها) في جعل (أرضية الحوش) ملساء ويتم اطلاق (بخور الصباح).. وقد غنى المغني للديوان للتي تشرف على نظافته (الديوان الديمة مفروش، بالزهور والورد معروش).. وعليك أن (تنظر حركة ست البيت) في الحوش حتى وان ضاقت مساحته، كم (متراً) تمشي في اليوم، وهي تقضي أشياء أهل المنزل أو البيت.. من اهتمام بالصغار وشاي الصباح وتجهيز الطعام وغسل الملابس والقيام بزيارات اجتماعية ضرورية لدى الجيران، والقيلولة، ثم الاشراف على أمور (سيد البيت، وضيوفه).. وهكذا.. هذه الصور والملامح، لم يغسلها الزمن، بل قواها، ولو مجرد ذكرى.. فالحوش في مواقع كثيرة في باحات المدن قائم، في شكل (فطور الجمعة) حتى وان كان بين أسرتين..!
السوداني، حتى وان (رحل) من حالة الحوش إلى (العمارة) هو ابن الحوش الذي يشتاق ان ينام وهو ينظر للنجوم وهي تتلألأ والقمر كأنما (يمشي) بين سحب خفيفة، تتناثر.. هناك بدون مطر.. الحوش.. لم يكن بديلاً للحوش، بل (توسيعاً) لغرفة في مساحة أخرى.. فالسوداني.. ثقافته أيضاً قائمة على (المساحة الواسعة..).. يقول لك فلان (عندنا حوش تجري لبكره لن تصل نهايته..)..!
ولكن..
الحوش يجمع أسرا محدودة، بينها صلة قرابة شديدة ولذلك عندما (احتج) بعض الناس على الرحيل إلى مباني أكثر (حداثة) وراحة كان (يحزنهم) ان (الفراق) للجيرة ورائحة التراب و(النفاج) الذي يربط بين أهل الحوش وكانت تجربة قرى (مروي ومناطقها) تستحق أن تعمم في اطار (تحديث مباني) القرية.. أي قرية.. وحمداً للنيل الذي فاض وأغرق كثيراً من الحيشان، ورحلت القرى في (تخطيط جديد) وتمت الاستفادة من البيوت السابقة في زراعة البساتين والنخيل.. هنا لا نبكي على قديم، بل.. جديد قائم.. فنحن في عصر (حطم) حدود الحوش حت (غرف النوم) لم تعد سراً.. ولم يعد الليل مظلماً.. والمياه تتدفق.. حلوة..!!
البيت الكبير، هو مجتمع شامل، وليس (حوش) يضم أسرا محدودة، بل هو المجتمع، منه البعيد جداً، والقريب جداً.. تتداخل العلاقات وتتشابك قضاياه منها الاقتصادية والمعيشية، والاجتماعية من خدمات الصحة والتعليم، والحركة.. وغيرها وغيرها.. وحتى الساحة السياسية، تهم المجتمع العريض جداً ومنه البيوت في الحيشان، فكم من (قضية) سياسية اختلف حولها أهل (البيت) في منتهى حرية الرأي.. مثل الحالة (الكروية) حينما يختلف أهل البيت حول (هلال – مريخ).. أو ما يعجب شباب الزمن من (الريال وبرشلونة)..
وقرانا وريفنا لا يعني أن نترك (البعض) فيه بدون نظام.. وبدون ترتيب، فالقرى لا تعني الفوضى في التخطيط، والفوارق بين المساحات، بل الاختلاف في (نمط الحياة) والتمسك بالتقاليد السمحة في (حوش) قروي منظم.. حتى يكون (مجتمعا سليما) بأفكار سليمة ويبقى أولادنا بخير وبناتنا عليهن عافية سليمة..