(حبل الكضب قصير)

427٭ أمثال كثيرة تتحدث عن حركة الحديث والآراء أو المعلومة ولدى أهلنا في السودان مثل يقول (الحديث يصل الريف وعند سيدو يقيف) عندما يريدون التعبير عن أن صاحب الشأن آخر من يعلم بما يقال عنه لا سيما ان كان هذا الحديث في خانة السلب (شمارات) وهذا تقابله مقولة ( الزوج آخر من يعلم) في سياق ذات المعنى.. كان هذا في زمان محدودية آليات نقل الحديث وإندياح حركة الشمارات.
٭ الكل يتحدث عن أهمية تمليك المعلومة.. الحكام يتحدثون عن أهمية تمليك رجال الصحافة ولعامة الناس وأهل الصحافة يشكون مر الشكوى من عدم تمليك المعلومة أو منعهم من تركها لتأخذ طريقها للقاريء أو المستمع أو المشاهد.
٭ وفريق يرى المشكلة في أن بعض الوزراء وأهل المشورة يخفون عن رؤسائهم المعلومات الحقيقية والضرورية ويبدلونها حتى يعلوا من شأنهم أو حتى لا يحاسبوهم ويكدروا عليهم حياتهم أو يفقدوا وظائفهم.
٭ تداولنا هذه الآراء بيننا وكان الحديث عن الصحافة وعن الهجمة عليها من حين لآخر وإتهامها بأنها تجنح للإثارة وتضخيم السلبيات.. بل وذهب البعض في انها تطعن في الثوابت وتتحدى السُلطة.. ودار الحديث طويلاً وعميقاً.
٭ حضرتني في تلك الجلسة واقعة حدثت في العهد العباسي للخليفة المكتفي وهى انه طلب ذات مرة من وزيره ان يأتيه ببعض الكتب ليقرأها في أوقات فراغه فأمر الوزير أحد نوابه بتحصيل كتب للخليفة.. وجمع الرجل الكتب وعرضها على الوزير ليراجعها قبل ان يرسلها للخليفة.
٭ ورأى الوزير ان الكتب تتناول التاريخ وبعض الأحداث التي جرت في أيام سالفة وأخبار وزراء في عهود سابقة وكيف كانوا يتحايلون في استخراج الأموال.. وهنا صاح الوزير من الذي احضر هذه الكتب (والله إنكم اشد الناس عداوة لي.. أنا قلت حصلوا للخليفة كتباً يلهو بها وينشغل بها عني وعن غيري فحصلتم له كتباً تعرفه مصارعة الوزراء والجلساء وتدله على طريق استخراج المال وتجعله يعرف خراب البلاد من عمارها).. وقذف الوزير بالكتب قائلاً ردوها وحصلوا كتباً فيها حكايات تلهيه وأخبار تطربه.
٭ عندما فرغت من الرواية لحظت نظرات الاستغراب من حولي كأنها تتساءل عن علاقة الواقعة بالحديث عن المعلومة وتمليكها والصحافة والصحافيين.. واختصرت الطريق وقلت لهم السياسة في معناها البسيط هى فن إدارة حياة الناس بفرضيات الواقع ومكوناته الحقيقية والصحيفة مع وسائط الاعلام الأخرى هى التي تنقل المعلومة وتملكها للحاكم والمحكوم.
٭ والمعلومة في عصر الفضائيات والانترنت والصحيفة أسرع من كتب الوزير ومن يفكرون بعلقيته.. ولكن المصيبة في ان البعض يتجاهل الواقع ويرمي بالصحافة بعيداً أو يريمها بالإتهامات ويشن عليها حرب التشكيك والتخويف.. ولكن حبل الكضب قصير وثورة الإتصال قوية والحقيقة أقوى.
هذا مع تحياتي وشكري
من ارشيف الكاتبة