في الذكرى الثالثة لرحيل المبدع محمد حسين بهنس .. إلى رجل دثرنا الحزن غماماً ثم رحل

alsahafa-17-12-2016-51هالة محمد نصر
كان الحزن عليه كبيراً جداً، مثلما كان هو كبيراً وجميلاً وشفافاً. خرج من بيننا في صمت، تاركاً خلفه إبداعه وفنه. هكذا أغلب المبدعين الحقيقيين، ينشرون عبيرهم شذى وروعة ثم يغادرون في صمت.
محمد حسين بهنس، غادرتنا تاركاً رسالة لو فهمنا مغزاها لما تشرد بعدك مبدع أو فنان أو حتى سوداني عادي.
بهنس رحل حزناً وحسرة علي مجتمع بأكمله، إن رحيله بدأ منذ أن عاد إلى السودان عودته الأخيرة ثم غادر بعدها في صمت، في صمته كان يبكي قيماً وعادات جميلة اندثرت.
بهنس اختار الموت حتى لا يعيش في مجتمع ما عاد يرحم.
آه لقد نسينا أن بهنس فنان ومبدع، وان جينات المبدع متفردة كما هو. وان أحاسيسه المرهفة هي ما يملك في هذه الحياة وان شفافيته هي أداته في رسم لوحة الإبداع وتقديمها لنا في أبهى صورها، كل إنسان مبدع هو جوهرة في حد ذاتها، قيمة إن فرطنا فيها فليس يجدي البكاء بعدها ولا الحزن.
مات بهنس تاركاً لنا عدة رسائل. كأنه يقول: اما أن تعودوا لرشدكم وصوابكم وتتحلوا بصفات الإنسانية أو لتمضوا في دروب الشر والنسيان.
ان رسالته لنا واضحة وضوح سمرته وشفافيته وكل لمسة فيه. إنسان كل لمحة فيه تجبرك على الوقوف عنده، والعاكس لوح الجمال والانفة والإبداع.
انه لا يشبهنا لهذا قرر السفر بعيداً عنا. وعندما خذلته القاهرة تخلى عنها هي أيضاً في صمت وكبرياء.
أمثال بهنس يصعب عليه العيش وسط درامات الأزمات.
بهنس بجماله الروحي وشفافيته الطاغية ما استطاع أن يعود إلى السودان فيرى غياب النفاج والباب الفاتح في الباب، فبكى على تبدل الحال، ولما صار دمعه دماً اختار السماء معيناً له.
ليس البرد والصقيع يا بهنس مما سبب موتك، بل موت الضمير فينا منذ أن أصبحت الأنانية تتخذ في دمائنا وأنت ثائر، وباحث عن الحق والجمال، لوحاتك، أشعارك، موسيقاك الحالمة، بل حتى روايتك اليتيمة. كلها بحث عن عالم حالم وجميل، يحملنا على أكف الحب والتسامح والتسامي. ومذ جربت وكنت إذ تجرب هذه الفنون كأنك تحاول أن تجد لك منا مهرباً.
شاعريتك وحسك المرهف السابحان دوماً في عوالم بعيدة جداً بحثاً عن أمان ودنيا تتسع وتمور وتموج حباً وروعة، ولكن ما عادت دنيانا تعنيك منذ أن تنكر لك الكثير منا. لقد كان مؤلماً أن تعاني الوحدة وحولك ألف صديق وقريب. عدة خيبات توالت وتتالت على روحك النقية وذهنك الصافي الا من لوحات الإبداع التي أهديتنا إياها في تواضع جم طاقة كامنة فيك، فجرتها ورحلت.
ولكن قسوتنا عليك وبعض من نوائب الدهر هما ما جعلاك لا تثق بأحد. ففضلت الرصيف علينا، ثم تماهيت وتماديت في الابتعاد عنا. اخترت الشارع بديلاً، كأنك كنت تتخيل ان شوارع القاهرة يمكنها أن تحتويك. متناسياً أن القاهرة لم تعد هي أيضاً كما كانت، ولكني أقول لك، نم قريراً يا بهنس. وان لم تغفر لنا أخالك الآن تبتسم هازئاً وأنت ترانا نتكالب على لقمة العيش، حياتنا تمضي بتعسر. نزداد قسوة فتزيدنا الأيام رهقاً وتمطرنا كل صباح بعقوبة جديدة.
بهنس أنت لم تمت، أنت حي، في الأليزيه وفي راحيل وفي أهديك الفوضى وفي نظرة بعيدة وثاقبة تطل من عينيك فتمضي إلى دهاليز الروح فينا إلى حيث بعيداً فيها، لكن نحن من متنا حين ماتت فينا النخوة وقول الحقيقة بل وقبلها مات فينا الضمير.
أكرر اعتذاري فلقد أهديتنا الجمال والتفرد فأهديناك الاهمال والأسى.