مفوضيات الفساد وحكاية الكديسة

حكاية480 الكديسة تقول إن إحدى الزوجات من المحبات للكدايس كانت تربي كديسة تعتني بها جداً وتدللها وتحبها جداً عكس زوجها الذي كان يكرهها جداً لأنها تتمسح فيه وأحياناً تخربشه بأظافرها، وفي يوم بلغ به الغضب من الكديسة مداه فغمتها داخل شوال وذهب بها إلى خارج المربوع والقاها هناك وعندما عاد أدراجه إلى البيت فوجيء بها قد سبقته في العودة، وفي اليوم التالي حملها بذات الطريقة وذهب بها إلى خارج الحي كله ثم القى بها وهي داخل شوالها داخل مكب للنفايات وأسرع في العودة إلى البيت ولكنه ورغم خبيبه المسرع خاب مسعاه إذ كانت في استقباله وهرعت للتمسح بأرجله المغبرة، وفي اليوم الثالث عزم وأقسم على أن يتخلص منها نهائياً مهما كلفه الامر فحملها داخل شوالها المعتاد ووضعه على كتفه وهي تفرفر وتموء وغذّ السير لا يلوي على شيء وقضى سحابة نهاره وهو سائر حتى بلغ مشارف الصحراء وكان التعب قد أنهكه وهدَّ حيله، فألقاها هناك في الصقيعة وكرّ راجعاً ولكنه بعد مسير عدة ساعات ضل الطريق فاتصل على زوجته في الجوال وسألها « إسمعي الكديسة دي جات » ، قالت « آي جات »، قال ليها خلاص خليها توصف لي السكة بي وين عشان أنا رحتا…
في الأنباء أن الأمين العام للمؤتمر الشعبي الشيخ ابراهيم السنوسي طالب ضمن « طلبيات » أخرى بقيام مفوضية لمحاربة الفساد ، ولا أدري سببا لطلب شيخ السنوسي هذا غير أحد أمرين ، اما أنه لم يسمع بالمفوضيات السابقات اللاتي كونت لمحاربة الفساد ، أو أنه حكم عليهن بالفشل ، وعلى كل حال يبقى جميلا من الشيخ أن يذم الفساد ويتبرأ منه ويدعو لمكافحته، ولكن مجرد قيام مفوضية كما ثبت دليلا بالعمل لا يكفي لمكافحة الفساد مكافحة حقيقية فاعلة وناجزة تجتثه من جذوره ومنابعه ، ففي غياب المعالجة الشاملة للثغرات التي ينفذ منها ويتسلل الفساد وعدم تجفيف منابعه التي كلما قُضي على فاسد أنبتت غيره، ستكون كل المفوضيات التي تنشأ من أجل مكافحته محض لافتات جميلة ولكنه جمال مثل « سماحة جمل الطين »، ولن تعدو أن تكون مثل محاولات صاحبنا للتخلص من الكديسة، كلما فعلوا شيئاً للتخلص منه ظهرت لهم أشياء وأشياء وكأنه « تِندل- كوشة » كما في الغلوتية السودانية الشهيرة « كان شالوا ما بنشال وكان خلّو سكن الدار »، والفساد مثل ذلك لا تنفع معه المعالجات الجزئية مهما تكاثرت المفوضيات طالما أنها لا تطال البيئة التي يتكاثر داخلها ويتوالد، وستظل مكافحة هذه الآليات غير ذات جدوى وبلا أثر يذكر وإنما ستكون أشبه بمحاولات إبادة الهاموش والناموس والذباب عن طريق رش المنازل بالمبيدات بينما تبقى البرك الآسنة ومقالب القمامة وكل المحاضن التي تنتج هذه الآفات في مأمن وأمان من عمليات المكافحة، المؤكد أن مثل هذه المكافحة المبتورة والناقصة لن تبيد الهاموش ولن تقضي على الذباب والناموس بل ربما يحدث العكس بأن تتآلف هذه الحشرات مع هذه المبيدات وتصبح لها مناعة ضدها فلا تؤذيها، وللفساد كذلك بيئة مثالية لانتاجه وتفريخه ومن أراد المكافحة الحقيقية فعليه بها وأية محاولة دونها ستكون مجرد تكرار لحكاية الكديسة…