الأزمة الوطنية … و«ضرورة تعميق البعد الاستراتيجي»

تقرير: نفيسة محمد الحسن

alsahafa-18-12-2016-18في الهجوم الذي وجهه الرئيس البشير صوب الأحزاب المعارضة اكد ان «تجريب المجرب» خطأ كما قال المثل… وطالب المواطنين بعدم الاستماع لمن وصفهم ب«المخذلين القاعدين في الفنادق وباعوا البلاد بالدولارات ويلعبون التنس ويحتفلون بعيد الميلاد» في اشارة مبطنة لزعيم حزب الامة القومي الصادق المهدي في تجدد الدعوة للعصيان المدني منذ خواتيم نوفمبر الماضي…..اين المسؤولية الوطنية مما يعيشه الان السودان؟…
حين تكون الاوطان في مفترق «طرق الخطر» فلابد من يقظة…. ولا بد من دعوات مخلصة لحوارات صريحة وشاملة… تقوم على الشفافية والصدق…وتعكس مواقف المرونة وإعلاء المصلحة الوطنية….فقد استغرق الصراع السياسي في السودان وقتاً طويلاً من عمر التجربة السياسية… وان جمال الأزمنة القديمة في السودان بتعدد ألوانها وباتساع مساحاتها في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والرياضة والفن والآداب… ذلك الجمال يمثل صمام الأمان لوقاية الوطن من سلبيات محتملة قد تنحدر اليها الاوضاع الراهنة في ظل تصاعد خلافات الفرقاء السودانيين بين الحكم والمعارضة…خلاص النية…
alsahafa-18-12-2016-19واقع السياسة الراهن بأبعاده الاقليمية والدولية يحتشد بالكثير من صور الآمال التي يمكن تحقيقها، إذا ما خلصت النوايا، عبر ساحات العمل السياسي …لكن لا بد من القول ان الحكومة بقيادة المؤتمر الوطني ينتظرها ايضا دور محدد في تجنيب السودان دفع فاتورة حرب او حروب جديدة مهما تكن شعاراتها وذلك بالاقرار بمطلب الحوار الحر المفتوح والشامل الذي ينتظر تنفيذ مخرجاته في مقبل الايام لبلورة اسس الحلول المتكاملة المنشودة لقضايا السودان المختلفة…….وبالرغم من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان وتميزه بين القارة الإفريقية والمنطقة العربية مطلاً على البحر الأحمر.. قريباً من السوق العالمي… ورغم امتلاكه لموارد طبيعية ضخمة تؤهله لكي يكون قوة اقتصادية كبرى… إلا أنه لا زال دون ذلك … وظل يشهد نزاعات وصراعات متعددة أقعدت به كثيراً… في الوقت الذي برزت فيه دول كبرى لا تملك ما يملكه من موارد ومزايا،كما انه من أكبر البلدان الإفريقيه من حيث المساحة، ومن أكثرها أهمية فى الموقع الاستراتيجى، وتكمن الثروات فى باطن أرضه وتنتشر فوقها، وبالرغم من ذلك مصنف كإحدى الدول الأقل نموا فى العالم، وذلك لما يعانيه من أزمات وصراعات داخلية اثرت على كل الاوضاع داخلياً وخارجياً، ورأى خبراء الفكر الاستراتيجي ان السودان لن تنتهي أزماته وصراعاته لانه يعمل بآلية واحدة وهي ادارة الأزمات ويفتقر لآلية التخطيط الاستراتيجي التي ترتكز عليها اكبر الدول … الى اين يتجه السودان الان؟. أهمية الفكر الاستراتيجي كبيرة لانه يناسب التعقيدات والتحديات المحلية والإقليمية والعالمية.
أهمية الأمن الإنساني…
يقول بروفيسور محمد ابوصالح ل«الصحافة»ان خطة الدولة يجب ان تُعبر عن سكان الدولة بتعددهم الديني والسياسي والثقافي والعرقي ، وبالتالي فإن تحقيق وحدة المشاعر الوطنية وجعل الدولة مكان اعتزاز وقبول من أي مواطن يعتمد على مدى وجود فكر استراتيجي راسخ ، وهذا ما يشير كذلك إلى أهمية التخطيط الاستراتيجي الثقافي الذي يسعى لتشكيل الثقافة الوطنية التي تناسب المصالح الوطنية الاستراتيجية ، ومن ذلك تشكيل ثقافة الوطن أولاً وترسيخ القيم والمرتكزات الاستراتيجية الخاصة بالأمن الإنساني..
أزمة معقدة …
وقد أقر دكتورابوخزام المختص في الفكر الاستراتيجي بأن العرب يعيشون أزمة معقدة هي أزمة الشرق الأوسط ، وان فشل العرب في إدارة أزماتهم يعود إلى إخفاقهم في تعرّف القواعد العلمية لإدارة الأزمات الدولية ، واعتمادهم على الغريزة لا على العلم في معالجة الأزمات التي يمر بها.
ويضيف أبوخزام « لدي معتقد هو أن ثوابت العلاقات الدولية ثابتان أساسيان هما الصراع وتوازن القوى ، والصراع ليس ظاهرة سلبية في الحياة البشرية بل كثيرا ما يكون ظاهرة إيجابية .. وإن الفرق بين الصراع النافع والصراع الضار هو القيم الخلقية والقوانين التي تضبط الصراع .. حياتنا لا تخلو من الصراع ولكن الصراع النافع هو الذي تضبطه القيم الخلقية والقانون ، وإلا لتحول إلى صراع ضار» .
مؤكدا أن الحياة البشرية وعلاقاتها على جميع مستوياتها لا تخلو من الصراع … فالصراع يوجد في الأسرة والعشيرة والقبيلة والدولة والإنسانية ، لكنه من نوع الصراع النافع الذي لا يخلو من قيم خلقية تضبطه ، بينما الصراع الدولي الحالي هو صراع ضار جدا لأنه لا يخضع للقوانين والقيم الخلقية الضابطة ، والصراع الذي تديره أميركا هو صراع ضار لا أخلاق ولا قانون فيه، وصراعات السودان بدأت بعد الاستقلال مباشرة..
موارد طبيعية.. ولكن!!
ويضيف ابوصالح ان الله تعالى اعطى السودان موقعا «جيواستراتيجي» بوضعه بين القارة الافريقية والوطن العربي على البحر الاحمر وقربه من اوروبا واسيا ، والفضاء السوداني مهم جداً لحركة الطيران الدولية، اضافة الى قدرة ربنا بمنح السودان موارد طبيعية استراتيجية مثل موارد الطاقة والبترول والغاز واليورانيوم ومعادن مهمة مثل الحديد والنحاس والذهب والكروم والمنجنيز والالمونيوم، وكل هذه تسمى المعادن الاستراتيجية وهي الان تشهد اشرس انواع الصراع الاستراتيجي العالمي،مضيفاً ان بامريكا الان قانون يلزم الحكومات بالاحتفاظ برصيد استراتيجي من بعض المعادن الاستراتيجية للمستقبل القادم…بالتالي هذا الثروات المنتشرة من اقصى حلفا الى جنوب السودان هي ضخمة جداً وبكميات كبيرة، وهذا مادعا الاخر ليطمع بنا ، موضحاً ان الطمع شئ طبيعي في هذه الحالة لكن تنجز هذه الاستراتيجية«الطمع» من خلال رؤية واضحة ، فامريكا تعلم جيداً ما الذي تريده من السودان والصين كذلك واسرائيل ايضاً ، لكننا نحن نحتاج الى رؤية وطنية خالصة لاعلاقة لها بالحكومة ، لاننا الان نشهد حربا لتفكيك النسيج الاجتماعي وخلق حالة من عدم الاستقرار في كل السودان، والدليل على ذلك حديث مسؤول اسرائيلي وتأكيده انهم لن يسمحوا للنار ان تنطفئ في السودان، مشكلة الجنوب وفصله والفتنة في دارفور تشتعل، كل هذه ترتيبات لان رؤية الاخر واضحة لكن رؤيتنا نحن غير واضحة، وقال ابوصالح:«نحن نفسنا قايم منذ الاستقلال» وهذه واحدة من وسائل ادارة الصراع الاستراتيجي.
وفي اجابته عن سؤال طرحته«الصحافة» على القيادي بحزب الامة د/ابراهيم الأمين… الى اين يتجه السودان الان؟ دعا الى ان يسعَى الجميع لإيجاد حلول جذرية لقضاياه وأزماته المعقدة، مضيفاً نحتاج لوقفة مع الذات ونقد كل التجارب الوطنية حتى يمكن الوصول إلى صيغة جديدة لحكم السودان، التي يجب أن يشارك فيها كل أبناء السودان في المركز والأطراف والاتفاق على نظام ديمقراطي لأن الديمقراطية ليست هي نظاما للحكم فقط بل هي نظام حياة وفدرالية حقيقية بها عدالة في توزيع الموارد والمشاركة في الحكم، وما لم يتم هذا سيكون المزيد من الأزمات والعنف وما نخشاه هو مزيد من التشظي.
واضاف الأمين نحتاج الى المزيد من الشفافية ومناقشة القضايا من الزاوية الوطنية لا الفكرية، وعندما يحاسب كل فرد على عمله إن كان محسناً يثاب وإن كان مسيئاً يجب أن يحاسب على ما اقترفه من عمل ضد الوطن والمواطن، أما الحديث بالشعارات والحصول على ما تريد بالقوة والهيمنة لا يؤدي إلا إلى مزيد من التمزق.
محاربة المشروع الحضاري..
وقال الفريق ادم حامد القيادي بالمؤتمر الوطني ان الحكومة منذ استلامها للسلطة لم تعط فرصة «تجر نفسها»ومالم يتوفر استقرار أمني لن يتوفر الاستقرار السياسي ونحن من «ماقمنا» وجدنا مشكلة الجنوب حتى الانفصال واعتقدنا اننا «سنرتاح» لكن لم يحدث ذلك ، بالاضافة الى ان حركات دارفور «مولعة» منذ 10 اعوام وتأخذ جهد الحكومة ، كما ان المشروع الحضاري في السودان محارب دولياً حتى لايستقر ولايستطيع تنفيذ شئ في ظل هذه الأزمات ، فالدولة كما اسلفت لم يتحقق لها الاستقرار الأمني في كل ربوع السودان ليتم الاستقرار السياسي ثم التنمية حتى نضع الاساس الحقيقي لتطبيق المشروع الحضاري.
فجوة استراتيجية…
وحدد ابوصالح الفجوة الاستراتيجية في السودان حيث قال لدينا خلل في العديد من الاتجاهات اولها نقص في الوعي الاستراتيجي، عندما سُئلت رئيسة المعارضة الاسرائيلية من صحفية «مارأيكم في الملف النووي الايراني» قالت لها فيما يتعلق بالأمن القومي الاسرائيلي ليس هناك مايسمي حكومة ومعارضة بل توجد اسرائيل فقط، نحن نريد ان نصل بالسودانيين لوعي استراتيجي ليتفهموا ماهي الدولة وهذا يحمل الكل كيفية التصرف تجاه الاخر ، كما لدينا نقص في المحللين والمخططين الاستراتيجيين ، وضعف في ثقافة الاستراتيجية ومازال التفكير تقليدي، وفجوتنا الحقيقية هي عدم توافقنا على منهج وطني للتخطيط الاستراتيجي ليعبر عن الأمن القومي والإنساني والبيئة ومستقبل الاجيال القادمة، كل ذلك يحتاج الى تطوير في المنهجية الاستراتيجية القومية .
واضاف ابوصالح طالما الضعف موجود لن تزول الأزمات، وطالما ان الإنسان ضعيف وغير متعلم وغير واعي وثقافته هي الحرب ولا يجد عملا اقرب الى الخطأ بالتالي حدوث أزمة وارد جداً، وطبيعي ان تحدث أزمات والوضع الطبيعي ان يحتاج الناس الى جهازين احدهما يدير الأزمات واخر استراتيجي الى ان نصل مرحلة من القوة وهي تحقيق الغاية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقتها لن تكون هناك أزمات بالشكل الواضح، لكن الاستمرار في العمل بجهاز واحد لن تنطفئ نيران أزماتنا، لذلك المفقود الان هي الادارة الاستراتيجية.
تخبط الحكومة.. وضعف المعارضة..
وأمن علي السيد القيادي بالاتحادي الديمقراطي «الأصل» على ان الحكومة تعمل بجهاز واحد وهو ادارة الأزمات وتفتقر الى جهاز التخطيط الاستراتيجي واقر السيد بضعف المعارضة ، وقال هذه واحدة من المشاكل التي تجتاح المعارضة بصراعاتها الداخلية وعدم اتفاقها على رؤية محددة ، مقترحاً جلوس كل الاطراف في طاولة مفاوضات حقيقية وان تكون دعوة الرئيس الأصل.
تحمل المسؤولية…
كما أكد عدد من المفكرين أن جوهر الأزمة في السودان يعود إلى غياب التخطيط الاستراتيجي منذ نشأة الدولة، وأن أزمة الهوية تعد أحد مهددات وجود الدولة، وأن الصيغة القديمة التي أدير بها السودان استنفدت أغراضها، وأن الإشكالات بدأت تتسع… واتفقوا على ان المشكلة في الأساس ثقافية، أما المشكلة السياسية فهي جزء من المشاكل الثقافية، وأن التحدي حاليا هو خلق دولة المواطنة والتعايش والتساوي في الفرص، ولا بد من قراءة التاريخ الذي لا يمكن القفز عليه بسهولة….واكدوا ان المواطن يقظ ويعلم جيداً ماتنادي به المعارضة لعصيان مدني قد يقود الى دمار في حال تعاملت الحكومة بحسم مع الاوضاع.. وان حالة الشد والجذب في القضية والوسائل ترجع الى عدم وجود اساس وطني يتحمل الجميع مسؤوليته…
إن تحقيق الحلم الوطني السوداني يتطلب توجهات ومفاهيم استراتيجية جديدة فضلاً عن حتمية إجراء تغيير استراتيجي مناسب…هل تعي الأحزاب السياسية هذا المعنى والهدف؟ ام سيظل السودان يعمل بنظام«ساقية جحا»؟وهل يمثل الحوار الوطني بكل ابعاده ملاذ أساس لمرحلة جديدة فى السودان..؟