رفقاً بالبوتقة

427٭ أهلنا في غرب السودان كلامهم حكمة.. لهم نظريات متكاملة يختصرونها في كبسولة.. هى المثل أو الفولة المأثورة يقولون في ممارسة الحياة وإدارة شؤونها (دنيا دبنقا دردقي بشيش) ومعنى المثل واضح ولأبناء وبنات هذا الجيل الدبنقا إناء فخاري تجب معاملته برفق.. وهكذا الدنيا تتطلب الهدوء.. حملت معي هذا المثل ودخلت في رحلة تأمل في الشأن السوداني.
٭ المجتمع السوداني يعيش مرحلة تكوين وتشكيل ومحاولة تجانس قاسية في بوتقة نحاول صنعها في ظروف فريدة ومتميزة.. ظروف نشهد بها ظواهر التناحر أو تبدو كذلك.. تناحر بين المدن والريف بين القبائل بعضها البعض.. بين الوديان والصحارى، بين المطر والمحل، بين الأغنياء والفقراء، بين أهل الظاهر والباطن، بين العقائد والمذاهب.. وهذا شيء طبيعي.. انها طبيعة الأشياء وحركة تطور المجتمعات نحو الغد المأمول في درب الوحدة والتوحد.
٭ في سابق السنوات كانت إدارة هذا التمايز والتباين تتم في انسياب وحيدة أو بعبارة أخرى كان تحريك ما بداخل البوتقة يتم بهدوء وتحت نار هادئة ونتاج ذلك الحراك جعل السماحة صفة اصيلة ورئيسة عند السودانيين.. كل السودانيين في الشمال والشرق والغرب والوسط والجنوب تاريخهم وحضارتهم وطبيعتهم الجغرافية ووسائل كسب عيشهم ودياناتهم ومعتقداتهم كلها خلفت فيهم هذا الكم الهائل من التسامح والرحابة والتكافل واتساع مساحات الأمل.
٭ وسط كل الاشواق لحياة هادئة كريمة بعيدة عن الاحتراب والمرض والجوع والفقر تفاءل الطيبون وغير الطيبين باتفاقية نيفاشا أولاً وتفاءلوا باتفاقية أبوجا بالرغم من أن الاتفاقيتين لا تخليان من أوجه القصور من حيث الاجماع وطبيعة الثنائية فيهما.
٭ ولكن في إيقاع تنزيل اتفاقية نيفاشا لارض الواقع جعلت درجات هذا التفاؤل تتأرجح بل في بعض الاحيان يتحول إلى يأس وقلق عندما تكثر المشاكسات ويلحظ الكل ان أهل الانقاذ يواصلون التشبث بالسلطة والانفراد بها إلى ان افضى ذلك إلى إنفصال الجنوب الذي ارادته الاتفاقية وحدة جاذبة.. حدث هذا بالرغم من وجود حكومة الوحدة الوطنية التي يسمعون بها ولا يلمسونها في الواقع المعاش والامثلة كثيرة يرددها الناس في شيء من القلق.
٭ وذات التفاؤل غطته سحب القلق في اتفاق ابوجا الذي جاء أيضاً ثنائياً ومحاطاً بشكوك الضغوطات والانقسامات إلى ان افضى إلى خروج مناوي ورجوعه إلى حمل السلاح..
٭ كل هذا يجعل الانسان السوداني يتجول في حيرة من أمره في سوق كلام كبيرة ووسط أحداث أكبر.. احداث مؤسفة في جنوب كردفان بعد شعار النجمة أو الهجمة واحداث مؤسفة في النيل الازرق تتناقض فيها التصريحات والمعلومات.. وسوق الكلام رائجة فيها كل أنواع الكلام وبكل اللغات واللهجات يتجول في هذه السوق يسمع فيها عن العمالة والخيانة والثراء والرشوة ومحاربة السلام وإستدعاء المجاهدين.. ولكن عندما يرجع إلى حياته منهوكاً تعباً لا يجد إلا العذاب والشقاء والمرض بل ونجد المزيد من الانقسامات عند أهل الحكم وأهل المعارضة بكل مدارسهم بما فيهم حملة السلاح.
٭ يعيش الإنسان السوداني هذه الايام انتظار نتائج الحوار الوطني الذي بدأ من يناير 4102 وظل العامين المنصرفين دائرة للنقاش والكلام مع الاحزاب التي فاقت المائة حزب في وطن تعداد سكانه ليس بالمليارات.
٭ الواقع الماثل وعلى ضوء هذا الحراك العنكبوتي الشكل وما ينتظرنا في جنوب كردفان وفي النيل الازرق يفرض على كل الوطنيين وقفة خاصة تنظر للأمر بمنظار يختلف عن المنظار الراهن منظار يجعل من الحراك السياسي والحراك الاجتماعي امراً يعيد إلى السودان إيقاعه الهادي ويحوله إلى بوتقة على نار هادئة تحرك ما بداخلها في حكمة ومهلة حتى تصل إلى السودان الذي في خاطرنا جميعاً.. السودان البعيد عن الاحتراب وعن التدخل الاجنبي وعن التشتت والضياع.. وهذا ممكن اذا ادركت الحكومة وكل الفعاليات السياسية خطورة الأمر.
هذا مع تحياتي وشكري