الاستقلال: مشهد آخر

420(1)
٭ في العاشرة صباحاً في مثل هذا اليوم من العام 5591م، ووفق تراتيب مرعية تم إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، وتتعدد مشاهد الاحتفاء واستحضار هذه الذكرى عاماً بعد عام، وتتعدد – أيضاً – الدروس والعبر وفقاً لتقلبات الأيام ومستجدات الأحداث والطوارق المتتالية، فقد قال النائب مشاور جمعة وهو يثني المقترح «إن هذه المرحلة واللحظة ستكون حداً فاصلاً بين عهد الاستعمار الذي رزحنا تحته سبعة وخمسين عاماً وعهد الحرية الكاملة والسيادة التامة والانعتاق الذي يجعل السودان أمة بكل مقوماتها، لا تستوحي في شؤونها الداخلية والخارجية إلا مصلحة الشعب»..
٭ وتلك دروس لا بد من الوقوف عندها في كل مرحلة ولحظة:
أولاً: إن أي تدخل أجنبي في شأن البلاد وإدارتها هو صورة من صور الاستعمار الحديث وتدخل معيب وينتقص من السيادة الوطنية، وأي قوى سياسية ما خلا الدولة المسؤولة عن السياسة الخارجية فإن أي استعانة بقوى خارجية تعتبر صورة من رهن القرار السياسي وشكلاً من الاستعمار والركون إليه، والواقع أن كثيراً من القوى السياسية السودانية اليوم رهينة بهذا الارتباط والأجندة السياسية، بل والمصالح المشتركة كما هو حال الحزب الشيوعي وأجندته الغريبة، وحركات التمرد وارتهان ارادتها للخارج، وهذه المجموعات المريبة وكل ترتيباتها ذات طابع أقرب للعمالة منه لأي قيمة وطنية..
(2)
٭ ومما يستنبط من مشهد ذلك اليوم، هو هذا التوحد الوطني، لقد استبعد الحكم الثنائي (الانجليزي – المصري) ان تتوحد القوى السياسية السودانية، سوى الأحزاب الكبرى (الأمة والاتحادي) أو يوافق أبناء الجنوب على قرار الاستقلال، وللمفاجأة فإن ذلك حدث، لقد شكل الحدث الأكبر في تاريخ السودان لحظة يتم تجاوز القضايا الصغيرة والخلاف في الرأي.. وذات المشاهد تتكرر في سيناريوهات اليوم، والفوضى الخلاقة تستهدف تفكيك الدول العربية وكل نسيج اجتماعي..
٭ لقد ظل الصومال ومنذ 26 عاماً بلا دولة أو حكومة أو استقرار، والعراق بكل موارده ونفطه الآن في دوامة الحرب منذ 13 عاماً، وليبيا وسوريا مشاهد معايشة وليست استدعاء للتاريخ أو بعيدة للمقارنة، ان المشهد ذاته والخطة ذاتها وبكل تفاصيلها، وقد عصم الله السودان من الانزلاق في هذه الدوامة القاتلة، والتداعي إلى المجهول..
(3)
٭ ان الانعتاق من اشكال الاستعمار يتمثل في تبني مشروع وطني نهضوي متكامل، وقد شكلت الوثيقة الوطنية مرحلة وبداية، والحوار المجتمعي بناء ونسيج للوحدة الشعبية وشحذ الهمم والطاقات والتراضي بالتحول السلمي والحوار والتعافي السياسي بالوحدة والاعتراف بالآخر.. وأكثر من ذلك نبذ كل رؤية تستند إلى فكر ومنظومة ثقافية تجافي ضمير الأمة ووجدانها، ان الدعوة للالحاد والملحدين مرفوضة والدعوة للشيوعية مرفوضة، وان أراد اليسار حزباً باتجاهات اشتراكية فمرحباً بالكسب في ميدان الشعب، اما اثارة الفتن وشق الصفوف وزعزعة ثوابت المجتمع فلن تجد مرتعاً في ميدان خصيب باليقين وعرى الايمان ورسوخ التدين..
مرحباً بالاستقلال معان تتجدد..